أثار الداعية علي الجفري جدلًا واسعًا بعد دفاعه عن دعاء خطبة العيد في العاصمة الإدارية ، وانتقاده لبيان منسوب إلى "علماء المسلمين"، معتبرًا أن توصيف الحرب الجارية بأنها "صهيونية صليبية" يمثل تلاعبًا بالدين، في حين رأى مراقبون أن طرحه يتضمن مغالطات وتفسيرات انتقائية.
وتحت عنوان (#حتى_لا_يكون_الدين_لعبا) زعم علي الجفري، الشهير بـ"الحبيب"، أن "..الحرب الجارية ليس للإسلام فيها ناقة ولا جمل، بل هي حرب تنافسية على النفوذ ومواطن الطاقة أينما كانت، سواء كانت في منطقتنا أم في أمريكا الجنوبية".
وأردف أنها "صراعات بين دول تتنافس على قيادة العالم، وما الكيان المحتل الغاصب ونظام الملالي إلا كيانات وظيفية في هذا الصراع، لها أطماعها التوسعية التي سقفها الإقليم، مع الطمع الواهم في امتداد التأثير والنفوذ العالمي".
وعن الفريق الذي أصدر بيانًا باسم "علماء المسلمين"، يزعم الجفري أن هناك هيئة رفعت شعار نصرة النبي ﷺ أصدرت بيانًا يصف الحرب بأنها "صهيونية صليبية"، ويحرّم على الدول العربية التي تتعرض للقصف أن تردّ، بحجة أن الردّ يعني الوقوف مع "الصليبيين".
ويعتبر الجفري أن هذا تلاعب بالدين، ويستدل على ذلك بعدة نقاط، منها تناقضات سابقة لمن وقّعوا على البيان في اعتصام رابعة، حيث هتف بعضهم:
America Free Egypt
ويترجمها الجفري: "أمريكا حرّري مصر"، أي طلب تدخل أمريكي. وعندما قيل إن البوارج الأمريكية تقترب من مصر، كبّر المعتصمون فرحًا. وقيادات من الجماعة وقفوا أمام الكونغرس الأمريكي يطلبون دعمه. وبعض الموقعين أفتوا سابقًا بجواز الاستعانة بالناتو في ليبيا. وإيران نفسها استعانت بأمريكا وإسرائيل في "إيران–كونترا" وفي غزو أفغانستان والعراق.
الجفري يدعي في المجمل أن "هؤلاء الذين يحرّمون اليوم الاستعانة بالصليبيين هم أنفسهم استعانوا بهم بالأمس، فكيف يصبح الأمر حرامًا اليوم وحلالًا بالأمس؟" بحسب زعمه.
ويتجه الجفري إلى تبرير ما فعله خطيب العيد لأنه توسل بأهل بيت النبي ﷺ، ويرى أن الهجوم على الشيخ سيد عبد البارئ — واتهامه بالتشيع — هو أيضًا تلاعب بالدين لخدمة موقف سياسي. ويرى أن التوسل بالنبي وآل البيت ليس خروجًا عن أهل السنة، وأن جمهور أهل السنة يجيزون التوسل بحسب ما كتب.
ويستشهد بأقوال نسبها للإمام الشافعي تدافع عن محبة آل البيت، ويقول إن اتهام كل من يتوسل بأنه "رافضي" هو تكرار لخطاب النواصب قديمًا.
ويعتبر الجفري أن ربط التوسل بالحرب الحالية هو تسييس للدين، وأن تحويل الخلاف الفقهي إلى "صراع سني–شيعي" يخدم العدو (لم يحدده).
ويرى، في ضوء اتهامات كثيرة وسباحة في نهر الخلافات، أن الشيعة جزء من نسيج المجتمعات العربية، وأن الخيانة ليست حكرًا على طائفة، وأنه "لست مع طرف في هذه الحرب المجنونة، وليس لي انتماء سياسي، غير أن التلاعب بالدين، وجعل أحكام الشرع المصون كالمركب الذي تتلاعب به الرياح وفق الأهواء، هو أمر مرفوض، ولا يجوز السكوت عنه".
وقفات سريعة مع ترهات الجفري
ويرى مراقبون أن الهتاف "America Free Egypt" يمكن تفسيره لغويًا بطريقتين متعاكستين تمامًا، وهذا ما يجعل السياق السياسي هو الذي يحسم المعنى.
المعنى اللغوي المحتمل:
الأول: "أمريكا… حرّري مصر"، أي نطالب الولايات المتحدة بالتدخل لإعادة السلطة أو تغيير الوضع السياسي.
والمعنى الثاني: "أمريكا… اتركي مصر حرّة"، أي دعوة لعدم التدخل الأمريكي في الشأن المصري.
وفي سياق ملف رابعة، يشير المراقبون إلى أن الهتاف كان على المنصة، وليس بيانًا أو تصريحًا رسميًا، في حين كانت المواقف كلها لتحالف دعم الشرعية وللإخوان — وإلى اليوم — تشير إلى تورط أمريكا في الانقلاب العسكري، وبنص البيانات الخاصة بتحالف دعم الشرعية، والذي ضم طيفًا سياسيًا غلب عليه الإسلاميون، كما هو بنص بيانات الإخوان.
وتبنى الجفري، دون تبيّن، زعم اللجان الإلكترونية بشأن تكبير المنصة أيضًا عند سماع "أحد المتكلمين في منصة رابعة بأن البوارج الأمريكية تقترب من الحدود المصرية، وصرخ قائلًا: "تكبييير"، فضجّ الميدان بالتكبير". ولا يوجد، أثناء بحثنا، فيديو بهذا الادعاء، وعلى فرض وجود هذا الفيديو، فماذا يعني ذلك؟ إنه ادعاء جديد بضجيج ليس المقصود به الترحيب بالمحتل، الذي يواجهه الإخوان المسلمون في كل مكان، وما طوفان الأقصى عنا ببعيد.
واعتبر أنه "عندما وقف عدد من قيادات الجماعة في أمريكا على أبواب أعضاء الكونغرس، وأحدهم يرتدي ربطة عنق على هيئة العلم الأمريكي، أما كان ذلك استعانة بالصليبيين على المسلمين؟!"، في حين أن من أشار إليه هو مواطن أمريكي من أصول عربية إسلامية، يعتز بدولة يقيم فيها، أو يريد أن يظهر أنه مواطن أمريكي، كما أن من يجلس معهم لشرح ماهية جماعة الإخوان ومنهجهم السلمي هم مواطنون أمريكيون في لجنة أمريكية أُعدت للاستماع لهذه المجموعة، التي أغلبها أمريكيون أرادوا الدفاع عن الإخوان.
تأييد ودعم
ووجد الجفري تعليقات بين عشرات التعليقات تأييدًا ودعمًا، من عينة ما كتبه "محمد محسن أبو السعود": "نفع بعلمكم وزادكم من فضله العظيم الحبيب علي الجفري"، وما كتبه عمرو حسن Amr Hassan: "كلام من ذهب جزاكم الله خيرًا"، أو ما كتبه علاء الأشعري العراقي: "صدقت وأنصفت يا شيخ"، حتى أن صالح حسين Saleh Hussein وصفه بـ"أسد"، وأشار "علي عطية" إلى أنه "يذكرني كلامك بالشيخ البوطي".
اعتراضات هادئة
وشهدت التعليقات اعتراضات هادئة وتساؤلات، منها ما كتبه حساب (المفكر الإسلامي): "يا شيخنا الكريم… مع كامل الاحترام لكن كلامك غير صحيح"، وما كتبه (يوسف ضبعان): "ما رأيك بما قاله نتنياهو عن الحرب؟"، ومن وجه العملة المقابل كتبت (سجاد حسن): "ما موقفكم من العدوان على غزة؟ وهل يكفي التنظير دون مواجهة الظلم؟".
وكتب فتح الله Fathalla El Mansoury متسائلًا: "هل هذا كلام الشيخ الجفري أم أدمن الصفحة؟ الأسلوب مختلف". وسأله آخر: "وماذا عن القواعد الأمريكية في الخليج؟ ولماذا لا تُذكر مواقف إيران تجاه فلسطين؟"، وعلّقت (نشوان الوتيحي): "كل من تحاربه أمريكا نحن معه… وعلى إيران الدفاع عن نفسها".
ونصحه خطاب (Khatab Dagenh): "دام أنك لست مع طرف… فالصمت كان أفضل".
هجوم حاد
وقال حسين Hussein Kathum: "تكلم برأيك لكن اترك الإسلام وشأنه… أكبر معضلات الأمة وعّاظ السلاطين"، وأضاف له رضوان Radwan Abdullah: "هكذا يكون علماء السلطان". ورأت لميس Lamees Aldebbagh أنه "صعب تخرب علاقتك مع البترودولار… وستعرف الحقيقة لاحقًا". وعلّق (الوفي الوفي): "أنت تستقضي راتبًا من أسيادك… وتخدم الظالمين". وأضاف آخرون، منهم الجيزاني تحسين: "سكت دهرًا ونطق… اذهب وتسوّل على أبواب الحكام".
ورأت (سجاد ضياء الدين) أن الجفري "خلطت الحق بالباطل… لا يوجد حياد، إما مع إيران أو مع الصهاينة".
وسأله جمال الدين الصقر: "وإعطاء 5000 مليار دولار من الخليج… ما اسمه؟". ونصحه أحمد Ahmed Hussain: "..أنتم مثل غيركم، كونتكم الصدفة والتجنيد الذي وضع الكثير من عقول السذج في السير خلفكم دون أن يعرفوا من أنتم ومن أين أتيتم وكيف نشأت عقيدتكم.. منشورك يفضح عمالتك، فانزع العمامة غير المعروفة أصلًا من أين أتت، لكي لا ينخدع بك باقي الناس".
واستدرك بسام البابلي: "تريد إيصال رسالة أن الكيان على حق… سيطول وقوفكم أمام الله". وقال خالد العامري: "اتقِ الله يا شيخ… أنت محاسب على كل كلمة". واعتبره نايف أبو محمد "يقامر بالدين في محراب الإمارات… واستهداف الخليج عدوان صفوي".
واتهمه عقيل الخزعلي بالجهل والتحيز المذهبي، وأكد أن التحالفات في المنطقة أعقد مما يطرحه، وأن دولًا عربية — ليست إيران — هي من سهّلت احتلال العراق، ويعتبر كلام الجفري ترديدًا لاتهامات قديمة.
ورأت مليحة Maliha Quds: "دعك من سنة وشيعة وإخوان وآل البيت والصحابة.. الشيخ مع السلام المنبطح والتطبيع.. موقفه معروف".
وخطبة العيد التي أثارت تعليق الجفري ألقاها الشيخ الدكتور "سيد عبد البارئ"، إمام وخطيب مسجد الفتاح العليم بالعاصمة الإدارية، بحضور السيسي، وأثارت جدلًا كبيرًا بعدما ساق دعاء محسوبًا على شيعة الاثني عشرية.
بيان الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
وفي بيان صدر في 16 مارس الجاري، يحذر "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين"، الذي لمزه وهمزه علي الجفري، من أن الأمة الإسلامية والعربية تواجه خطرًا وجوديًا غير مسبوق، في ظل تصريحات قادة الكيان الصهيوني التي تتحدث صراحة عن مشروع توسعي يستهدف المنطقة كلها، وعن رغبة معلنة في السيطرة على الشرق الأوسط من النيل إلى الفرات، بالتعاون مع حلفائهم من الإنجيليين المتصهينين في أمريكا، والمتطرفين الهندوس في الهند. ويرى الاتحاد أن هذه التصريحات ليست للاستهلاك الإعلامي، بل هي جزء من استراتيجية واضحة تعمل عليها هذه القوى، وأن الخطر الطائفي وتصدير الثورة وتمزيق الأمة يزيد الوضع تعقيدًا.
وفي مواجهة هذه التحديات، يدعو الاتحاد إلى وحدة حقيقية بين الدول الإسلامية، تقوم على حلف استراتيجي سياسي واقتصادي وعسكري يشبه في بنيته الاتحاد الأوروبي، يبدأ بالدول الرافضة للمشروع الصهيوني، ويتوسع ليشمل الأمة كلها. ويشدد على ضرورة المصالحة الشاملة بين الحكومات وشعوبها، وإطلاق سراح سجناء الفكر والدعوة والسياسة، وبناء مناخ من الوئام والعدل والحريات المسؤولة، لأن التجارب أثبتت أن الهزيمة الخارجية تبدأ من الانقسام الداخلي.
ويطالب الاتحاد الحكومات الإسلامية بالاستفادة من جميع مكونات الأمة وعلمائها وخبرائها، وتشكيل لجان سياسية واقتصادية وعسكرية واجتماعية وقضائية لوضع خطوات عملية نحو وحدة برلمانية واقتصادية وقوة عسكرية فاعلة، معتبرًا أن هذا الحلف فريضة شرعية وضرورة وجودية. ويرى أن الدول المؤهلة لقيادة هذا المشروع هي السعودية وتركيا وقطر، بالتعاون مع باكستان وأفغانستان وإندونيسيا وماليزيا والكويت وعُمان والجزائر وموريتانيا وغيرها من الدول التي تقف ضد المشروع الصهيوني.
كما يدعو الاتحاد إلى وقف العدوان في المنطقة، والعمل على استقرارها بعيدًا عن الصراعات الداخلية والخارجية، ويجدد التأكيد على أن القضية الفلسطينية يجب أن تبقى القضية الأولى للأمة، وأن حماية المسجد الأقصى وتحريره واجب لا يجوز التراجع عنه، مستشهدًا بوعود الله بالنصر لمن ينصرونه. ويختم البيان بالدعوة إلى العمل الجاد، والثقة بأن الله سيرى عمل الأمة ورسوله والمؤمنون، وأن الحساب يوم القيامة سيكشف حقيقة الأعمال والنيات.