أثار الكاتب المصري مدحت منير نقاشًا واسعًا بعد نشره تدوينة مطوّلة عبر Medhat Monir على فيسبوك تناول فيها رؤيته للإخوان المسلمين وتجربته الشخصية معهم، مؤكدًا أنه لا ينطلق من موقف عدائي مسبق، وأن تقييمه للجماعة مرتبط بما عاشه ورآه خلال سنوات دراسته وعمله داخل مصر وخارجها. وأوضح منير أن الإخوان “مصريون قبل أي شيء”، يحملون—بحسب تعبيره— مزايا وعيوب الشخصية المصرية نفسها، وأن الحكم عليهم كتلة واحدة خطأ لا يعكس الواقع.
واستعاد الكاتب ذكرياته خلال فترة الجامعة، حيث كانت له (ويبدو أنه طبيب) علاقات مع بعض الطلاب المنتمين للجماعة، واصفًا إياهم بأنهم “مجتهدون ومحترمون لكن غير ميّالين للهزار”، كما تحدث عن المضايقات الأمنية التي كانوا يتعرضون لها، التي جعلته يتعاطف معهم في بعض المواقف. وأشار إلى أنه رُشّح في إحدى المرات للانضمام إلى قائمة طلابية محسوبة على الإخوان، لكن الأمر كان —بحسب قوله— لأغراض شكلية تتعلق بوجود مرشح مسيحي ضمن القائمة.
وتوقف منير عند مرحلة ما قبل ثورة يناير، حين اختلف مع الإخوان بسبب موقفهم من محمد البرادعي، قبل أن تتغير نظرته لاحقًا بعد أن اكتشف —وفق تعبيره— أنه كان “مخدوعًا في صورة البرادعي التي روّج لها الإعلام”. كما تحدث عن فترة حكم الرئيس الراحل محمد مرسي، مؤكدًا أنه لم يصوت له، لكنه يعترف بأن بعض القرارات —مثل تحسين رواتب الباحثين وأعضاء هيئة التدريس— كانت إيجابية مقارنة بما تلاها من سياسات.
وفي جانب آخر من حديثه، تناول الكاتب الجدل حول علاقة الإخوان بالعنف، معتبرًا أن تحميل الجماعة ككل مسئولية أي أعمال عنف هو تعميم غير منصف، وأنه لو كان العنف توجهًا عامًا لدى التنظيم لكانت البلاد قد دخلت في حرب أهلية. لكنه شدد في الوقت نفسه على رفضه لأي ممارسات عنيفة “من أي طرف وتحت أي مبرر”، معتبراً أن فهم دوافع بعض الشباب الغاضب لا يعني تبرير أفعالهم.
كما انتقد منير ما وصفه بـ“شيطنة الإخوان في الدراما”، ساخرًا من اتجاه بعض الأعمال الفنية لتقديم روايات مبالغ فيها، وقال إن الأمر قد يصل إلى إنتاج مسلسل يصوّر “طبيبًا مسيحيًا في إنجلترا يكتشف في النهاية أنه ابن أخت سيد قطب”، في إشارة إلى ما يراه من مبالغات في تصوير الجماعة.
وختم الكاتب تدوينته بالدعوة إلى إنهاء حالة الكراهية المتبادلة بين النظام والإخوان، معتبرًا أن “لا النظام سيسقط ولا الإخوان سيختفون”، وأن استمرار القطيعة المجتمعية قد يقود البلاد إلى صدام لا يحتاجه أحد. ودعا إلى قبول التعدد والاختلاف باعتباره شرطًا أساسيًا للاستقرار.
https://www.facebook.com/photo?fbid=792377157247207&set=a.139542509197345
رأي معتدل آخر
وروى أحد المعلقين على تدوينة مدحت منير شخص آخر وهو أسامة نجيب Usama Naguib في منشور مطوّل تجربته الشخصية مع الإخوان المسلمين منذ طفولته وحتى سنوات الجامعة، مؤكدًا أن علاقته بالجماعة مرت بمراحل متعددة، بدأت بالإعجاب والارتباط الاجتماعي، وانتهت بالابتعاد والانتقاد، مع احتفاظه بتقدير شخصي لبعض أفرادها. وأوضح نجيب أن معظم المصريين مرّوا بتجارب مشابهة، إذ كان حضور الإخوان في الأنشطة الاجتماعية والدينية جزءًا من الحياة اليومية في كثير من القرى والمدن.
واستعاد نجيب ذكريات طفولته حين كان في العاشرة من عمره، حيث كان الإخوان —بحسب وصفه— ينظمون مسابقات دينية، ورحلات، ودورات كرة قدم، وأنشطة جذبت الأطفال والشباب، ما جعله يرتبط بهم تدريجيًا. ومع مرور الوقت، أصبح يحضر دروس المسجد وحلقات القرآن والفطور الجماعي في رمضان، ويشاهد دروس عمرو خالد عبر فيديوهات يجلبها شباب الجماعة، وكان يرى زملاءه وأقاربه من مختلف الأعمار منخرطين في هذه الأنشطة.
لكن نقطة التحول جاءت عند دخوله الجامعة، حين حذّره والده —الذي وصفه بأنه “ناصري”— من الاقتراب من أقاربه المنتمين للجماعة داخل الحرم الجامعي، معتبرًا أن الجامعة هي المكان الذي تبدأ فيه الأجهزة الأمنية مراقبة الطلاب وتصنيفهم. ورغم هذا التحذير، ظل نجيب على علاقة جيدة بالإخوان في البداية، وشارك معهم أحيانًا في مظاهرات وأنشطة طلابية.
غير أن حادثة بعينها شكّلت صدمة بالنسبة له، حين طلب من أحد قادة المجموعة الطلابية التابعة للإخوان أن يساعده في جمع متبرعين بالدم لإنقاذ والد صديق له، لكنه فوجئ برفض قاطع بحجة انشغالهم بلصق ملصقات دعوية. ويقول نجيب إن هذا الموقف كان كافيًا ليعيد النظر في علاقته بالجماعة، بعدما رأى أن “ملصقًا دعويًا” اعتُبر أهم من حياة إنسان.
وأشار نجيب إلى أن كثيرًا من الشباب الذين انضموا للإخوان خلال الجامعة لم يكونوا يدركون تبعات ذلك، وأن الأجهزة الأمنية تعاملت معهم باعتبارهم أعضاءً تنظيميين رغم صغر سنهم وقلة خبرتهم، ما أدى إلى تدمير مستقبل بعضهم، سواء في السفر أو التوظيف أو الحياة الاجتماعية. ويرى أن انضمام الطلاب للجماعة في تلك المرحلة كان طبيعيًا بسبب الدعم الاجتماعي الذي كانوا يجدونه، لكن غير الطبيعي —على حد قوله— هو محاسبتهم أمنيًا على خيارات اتخذوها في سن صغيرة.
وفي تقييمه العام، قال نجيب إن الإخوان يضمّون أشخاصًا محترمين للغاية، وإنه لم يرَ منهم إساءة شخصية، لكنه يرى في الوقت نفسه أن “الفكر العام للجماعة يحمل غموضًا ومخاوف”، وأن هناك تفاصيل داخلية لم يكن يعرفها أحد من خارج التنظيم. وأكد أن شيطنة الإخوان بالصورة المطلقة التي يروّج لها الإعلام غير واقعية، كما أن تصويرهم كملائكة أمر غير صحيح أيضًا.
وختم نجيب حديثه بتأكيده أن الإخوان “خسروا كل شيء تقريبًا”—على حد وصفه—من حياة ومستقبل وأسر، وأن المجتمع لم يرحمهم بسبب حملات إعلامية وسياسية استهدفتهم، رغم أن النظام نفسه عاش وسطهم لعقود. ورغم انتقاداته، شدد على أنه لا يحمل عداءً شخصيًا للجماعة، وأن تجربته معهم كانت مزيجًا من التقدير والاختلاف والصدمة، مثل كثير من أبناء جيله.