منذ اللحظة الأولى لإعلان انتقال موظفي الجهاز الإداري إلى العاصمة الإدارية الجديدة، امتلأت الخطابات الرسمية بوعود متكررة تؤكد توفير سكن ملائم لجميع العاملين، وتسهيل انتقالهم، وتوفير بيئة معيشية متكاملة. لكن مع مرور الوقت، اكتشف الموظفون أن كثيرًا من هذه الوعود ظلّ حبيس التصريحات، بينما بقيت معاناتهم اليومية تتفاقم.
ورصد مراقبون منهم الباحث الاقتصادي علاء بيومي عبر @Alaabayoumi شكوى من موظفي الضرائب لتكاليف الانتقال للعمل من العاصمة الإدارية الجديدة متساءلين "هل كان الانتقال تعسفيا؟".
ولا يقف الأمر عند موظفي الضرائب بل أغلب العاملين في العاصمة الإدارية الجديدة، ومنهم المؤقتون والتأمين الصحي، ما يعكس تناقض بين وعود متكررة من وزارات الاسكان المتعاقبة منذ كان مصطفى مدبولي وزيرا للإسكان حتى الوزيرة الحالية المتهمة بالاستيلاء على المال العام.
بل ودفع ذلك بعض المراقبين إلى التساؤل عمّا إذا كان غياب التخطيط الاجتماعي الموازي لسرعة تنفيذ المشروعات هو السبب الحقيقي وراء هذه الفجوة، خاصة في ظل تصريحات رسمية سابقة تحدثت عن “فائدة اللاجدوى” في الإسراع بتنفيذ المشروعات، وهي تصريحات أثارت نقاشًا واسعًا حول جدوى الأولويات وكيفية إدارة الموارد.
في قلب هذه الأزمة يقف الموظف الحكومي الذي وجد نفسه مضطرًا للانتقال إلى مدينة لم تكتمل خدماتها بعد، دون أن يحصل على السكن الذي وُعد به. فمشروع “زهرة العاصمة” الذي رُوّج له باعتباره الحل السكني المتكامل للعاملين، لم يستوعب في البداية جميع المتقدمين، ما أدى إلى موجة من الشكاوى. كثير من الموظفين أكدوا أنهم تقدموا بطلبات للحصول على وحدات سكنية منذ شهور، لكنهم لم يتسلموا شيئًا، بينما اضطر آخرون إلى السكن في مدينة بدر أو العودة يوميًا إلى القاهرة، في رحلة مرهقة تستنزف الوقت والمال.
وتكشف هذه الأزمة عن مشكلة أعمق تتعلق بغياب التنسيق بين سرعة تنفيذ المشروعات الكبرى وبين احتياجات البشر الذين سيعملون فيها. فبينما تم بناء مقار الوزارات بسرعة قياسية، لم تُبنَ شبكة مواصلات فعّالة تربط العاصمة الجديدة بالقاهرة، ولم تُستكمل الخدمات الأساسية في المناطق السكنية المخصصة للموظفين. هذا الخلل جعل الموظفين يقضون ساعات طويلة في المواصلات يوميًا، في ظل غياب وسائل نقل عامة منتظمة، ما أدى إلى استنزاف جزء كبير من رواتبهم المحدودة أصلًا.
وتتفاقم المعاناة مع الارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة داخل العاصمة الإدارية والمناطق المحيطة بها. فالموظفون يشكون من غياب المطاعم الشعبية أو الخيارات الاقتصادية للطعام، على عكس القاهرة التي توفر تنوعًا واسعًا يناسب مختلف الدخول. في العاصمة الجديدة، تبدو الأسعار أعلى بكثير من قدرة الموظف متوسط الدخل، ما يجعل الحياة اليومية عبئًا إضافيًا فوق عبء الانتقال والسكن.
ورغم إعلان وزارة الإسكان لاحقًا قبول جميع طلبات الموظفين للحصول على وحدات سكنية، فإن هذا الإعلان جاء بعد موجة من الغضب والانتقادات، ما يعكس وجود فجوة واضحة بين التخطيط والتنفيذ.
وفي ديسمبر 2020، أعلنت حكومة السيسي عن كومباوند "vip" لموظفي العاصمة وقالت "هُنا سيقيم موظفو العاصمة الإدارية" إضافة لـ"محطة خاصة للقطار الكهربائي لخدمة السكان"!
كما أن توفير السكن وحده لا يكفي لحل الأزمة، فالموظفون بحاجة إلى خدمات مكتملة، وأسواق بأسعار مناسبة، ومواصلات فعّالة، وأحياء آمنة، حتى يشعروا بالاستقرار الحقيقي.
https://youtube.com/shorts/yptap9BmUSE?si=4CISUFB13vyCmHYh
https://x.com/Ahmedalmasri79/status/1810450002386493723
وتشير بعض التحليلات إلى أن هذه المشكلات ليست مجرد تفاصيل إدارية، بل هي انعكاس لطريقة إدارة المشروعات الكبرى في مصر خلال السنوات الأخيرة. فهناك من يرى أن التركيز على سرعة الإنجاز العمراني دون دراسة كافية للأثر الاجتماعي والاقتصادي يؤدي إلى نتائج غير مكتملة، ويخلق أزمات لاحقة تحتاج إلى حلول مكلفة. ويذهب آخرون إلى أن غياب التخطيط المتكامل يجعل المشروعات الضخمة — مهما كانت فخمة من الخارج — عاجزة عن تحقيق أهدافها الفعلية على الأرض، خاصة عندما يتعلق الأمر بمشروعات ذات طابع إداري وخدمي تعتمد على حركة الموظفين وحياتهم اليومية.
وتساءل الموظف علي توفيق @alitawfik12، "موظفو العاصمة الإدارية .. هل هي لكبار الإداريين فقط، وأما صغارهم فيقيمون بمدينة بدر أو ينتقلون يوميًا من القاهرة؟.. كم تكاليف ذلك؟ وما الحكمة؟.. ".
وتتداخل هذه التحديات مع شعور متزايد لدى الموظفين بأن الانتقال إلى العاصمة الإدارية لم يحقق لهم أي تحسن في بيئة العمل. فقد اشتكى البعض من أن الأنظمة الإلكترونية في الوزارات الجديدة لم تعمل لفترات طويلة، ما جعلهم يقضون ساعات في المكاتب دون مهام واضحة، بينما يتحملون تكاليف انتقال باهظة. هذا الوضع خلق حالة من الإحباط، إذ يشعر الموظف بأنه يدفع ثمن مشروع لم يُخطط له بما يكفي من منظور إنساني.
ما تضمنته الشكاوى
تضمنت الشكاوى أيضًا صعوبة اختيار الوحدات، ومخالفة بعض شروط التخصيص، خاصة فيما يتعلق بأدوار العمارات السكنية، بالإضافة للإشارة إلى عدم اكتمال بعض الخدمات في مناطق المشروع.
كما أثارت بعض الحوادث الأمنية في مساكن الموظفين مخاوف إضافية، بعد تداول مقاطع عن إطلاق نار ومحاولات سرقة، ما زاد من شعور السكان بأن المناطق السكنية الجديدة لم تصل بعد إلى مستوى الأمان المطلوب. ورغم أن هذه الحوادث قد تكون فردية، فإنها تكشف هشاشة البنية الاجتماعية في مناطق لم تكتمل خدماتها أو كثافتها السكانية.
في النهاية، تبدو أزمة الموظفين في العاصمة الإدارية الجديدة مثالًا واضحًا على أن المشروعات الكبرى لا تُقاس بحجم المباني أو سرعة الإنجاز، بل بمدى قدرتها على تحسين حياة الناس. فحين تتكرر الوعود دون تنفيذ، وحين يُترك الموظف يواجه وحده تكاليف الانتقال والسكن والطعام والمواصلات، يصبح المشروع — مهما كان ضخمًا — عبئًا بدلًا من أن يكون خطوة نحو التطوير. وما لم يتم وضع الإنسان في قلب التخطيط، ستظل هذه الأزمات تتكرر، وسيظل الموظفون يدفعون ثمن غياب الرؤية المتكاملة.