صرخة جديدة أطلقها الكاتب والصحفي محمد توفيق الذي لا يقدّم سردًا محايدًا فقط، من خلال كتابه الجديد "ضد المنطق " الذي نشر أخيرا في معرق القاهرة للكتاب عن "دار الشروق" بل يوجّه اتهامًا واضحًا ومسؤولية مباشرة لعدد من الأطراف عبر مراحل مختلفة من تاريخ التعليم في مصر.
ويحمّل الكاتب توفيق الدولة المسؤولية الأولى، لأن اهتمامها بالتعليم – كما يقول – كان «ضعيفًا وأحيانًا منعدمًا» رغم أن التعليم هو أساس بناء الوطن.
ويشير إلى أن الحكومات المتعاقبة لم تستثمر في التعليم بالشكل الكافي، ولم تضعه في مقدمة أولوياتها، بل تركت المنظومة تتدهور تدريجيًا حتى وصلت إلى ما يسميه «ضياع التعليم» وظهور "أنصاف المتعلمين".
ويرى محمد توفيق أن الغش لم يعد مجرد سلوك خاطئ، بل أصبح منظومة اجتماعية واقتصادية لها جذور عميقة. فهناك ضغط نفسي على الطلاب، وتوقعات أسرية مبالغ فيها، وضعف في جودة التعليم، وغياب للثقة في الامتحانات، إضافة إلى فساد إداري في بعض المناطق، كل ذلك خلق بيئة تسمح للغش بأن يتحول من فعل فردي إلى ظاهرة جماعية تتكرر سنويًا.
ويؤكد الكاتب أن الغش الجماعي ليس مجرد مشكلة تعليمية، بل هو مؤشر على خلل أخلاقي واجتماعي، لأنه يخلق أجيالًا تحصل على شهادات لا تعكس قدراتها الحقيقية، ويقوّض قيمة التعليم نفسه، ويجعل المجتمع «بلد بتاعة شهادات» كما قال عادل إمام، لا بلدًا تبني المعرفة.
وزارة التعليم تحديدًا
ويحمل بشكل محدد وزارة التربية والتعليم ذلك في عدة مواضع وتجاهل الوزارة لتسريب نتيجة الثانوية العامة عام 2024 بالكامل وفشلها في مواجهة الغش الجماعي منذ الثمانينيات ، وعجزها عن ضبط الدروس الخصوصية رغم قرارات متكررة منذ 1952.
إضافة إلى إجراء وزارة التعليم تغييرات متكررة في نظام الثانوية العامة دون رؤية واضحة وقدّم الكاتب الوزارة كجهاز فقد السيطرة على المنظومة، وأحيانًا يتعامل مع الكوارث بالصمت.
والكاتب لا يهاجم المدرسين كفئة، لكنه يحمّل جزءًا منهم مسؤولية: تحويل الدروس الخصوصية إلى تجارة ضخمة والمشاركة في شبكات الغش، سواء بحل الامتحانات أو نقل أوراق الإجابة واستغلال الطلاب ماديًا، كما في قصة المدرس الذي استأجر صالة رياضية لآلاف الطلاب.
ويعتبر أن مثل هؤلاء – في رأيه – ساهموا في تحويل التعليم إلى سوق، لا إلى رسالة.
الثانوية العامة والفساد الإداري
ويشير إلى خلفيات هذا النوع من الفساد الإداري والذي ظهر ابتداء في تسريب امتحان 1960 من داخل المطبعة السرية ولحقته تسريبات عبر موظفين ومسؤولين وشبكات تنقل أوراق الإجابة خارج اللجان مقابل المال، (ووصلت اليوم إلى اللواءات) بحسب تقارير توصلنا إليها.
حيث ينتقل "توفيق" بعد ذلك إلى وقائع حديثة تُجسد حجم الانهيار الأخلاقي والإداري، مثل حادثة تزوير شهادات الثانوية العامة عام 2019 مقابل مبالغ مالية ضخمة، وما ترتب عليها من دخول طلاب إلى كليات القمة قبل اكتشاف التزوير وفصلهم، والحكم على المزور بالسجن عشر سنوات.
وهو ما تطور بحسب الكاتب في تسريب نتيجة الثانوية العامة عام 2024 بالكامل على الإنترنت، وهو حدث غير مسبوق تجاهلته الوزارة، ما يعكس – في رأي الكاتب – حالة من اللامبالاة الرسمية تجاه انهيار المنظومة.
ويصل الكاتب إلى السنوات الأخيرة، حيث تغيّر نظام الثانوية العامة مرارًا، وأُلغيت مواد وأُدمجت أخرى، دون أن يؤدي ذلك إلى إصلاح حقيقي. ويختتم بفكرة محورية: أن التعليم هو قاطرة المستقبل، وأن مصر من أقل دول العالم إنفاقًا على التعليم رغم أن الشعب يضحي بكل ما يملك من أجل تعليم أبنائه.
أعضاء نواب السيسي وأولياء الأمور
ويرصد الكاتب مسؤولية أولياء الأمور في 4 نماذج موجودة وأمثلة واضحة ومنها؛ الأب الذي خطف ورقة الأسئلة وأذاع الإجابات عبر ميكروفون والضغوط التي يمارسها بعض الأهالي لتمرير الغش واستعداد البعض لدفع مبالغ ضخمة لتزوير شهادات أو شراء الامتحانات، ورؤية الكاتب أن جزءًا من المجتمع أصبح شريكًا في الفساد التعليمي.
كما يذكر المؤلف بعض نواب برلمانات السيسي، كانوا يضغطون للسماح بالغش في دوائرهم، باعتباره "خدمة انتخابية"، وهذا – في رأيه – جعل الغش محميًا سياسيًا في بعض المناطق.
ثم يحلل تطور ظاهرة الغش؛ من محاولات فردية إلى غش جماعي منظم، بل وصل الأمر إلى اقتحام لجان الامتحانات في بعض القرى، وضغط نواب برلمان، واعتداءات على المراقبين.
ويستعيد الكاتب وقائع صادمة مثل حادثة 1987 حين خطف ولي أمر ورقة الأسئلة من نافذة اللجنة، وأذاع الإجابات عبر ميكروفون محمول على سيارة نصف نقل، ومع دخول التكنولوجيا، أصبح الغش أكثر تعقيدًا، من تسريب الامتحانات إلى الإنترنت، إلى نقل أوراق الإجابة خارج اللجان مقابل مبالغ مالية.
ويستعرض أيضًا ظاهرة الدروس الخصوصية التي تحولت من ممارسة فردية إلى صناعة كاملة، وصلت إلى حد قيام مدرس باستئجار صالة رياضية تتسع لآلاف الطلاب لإلقاء درس واحد، في مشهد يعكس كيف تحولت المعرفة إلى سلعة جماهيرية.
قراءة عميقة
الصحفي محمد توفيق يقدم في كتابه الجديد قراءة عميقة وممتدة لتاريخ التعليم في مصر، لكنه يبدأ من اللحظة الأكثر إلحاحًا: الواقع الحالي الذي يراه الكاتب واقعًا مضطربًا، فقد فيه التعليم جوهره، وأصبح المتعلم – كما يقول – "نصف متعلم"، لا يمتلك أدوات التفكير ولا القدرة على اتخاذ القرار. هذه الرؤية النقدية المعاصرة تشكل مدخل الكتاب، وتكشف عن قناعة راسخة لدى المؤلف بأن أزمة التعليم اليوم ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة تراكمات تاريخية طويلة.
وبعد عرض الواقع، يعود المؤلف إلى الجذور التاريخية للتعليم الحديث، معتبرًا أن محمد علي هو المؤسس الحقيقي للتعليم العصري في مصر، من خلال إنشاء مدرسة الألسن، ومدارس الهندسة والزراعة والطب، ويخصص مساحة واسعة لشخصية علي مبارك الذي يعده الأب الشرعي للتعليم الحديث، مستعرضًا رحلته من الكُتاب إلى فرنسا ثم إلى قيادة مشروع التعليم في مصر.
ويؤرخ الكتاب لتطور الشهادات والامتحانات منذ ظهور الشهادة الابتدائية عام 1910، ومرورًا بتغييرات الثانوية العامة في 1928 و1934، وصولًا إلى عهد طه حسين الذي انتقد بشدة نظام الامتحانات واعتبره «شرًا لا بد منه». ويستشهد المؤلف بكتاب «مستقبل الثقافة في مصر» حيث وصف طه حسين الامتحانات بأنها تفسد التعليم والأخلاق معًا.
واستعرض أيضا تقارير وزراء التعليم في الأربعينيات، مثل تقرير نجيب الهلالي باشا الذي حذر من انهيار التعليم إذا لم تُصلح مناهجه وأساليبه، مؤكدًا أن ضعف اللغات والثقافة والشخصية لدى الخريج هو نتيجة مباشرة لخلل المنظومة.
ويمر الكتاب على محطات مأساوية مثل انتحار طلاب الثانوية العامة عام 1969 بعد رسوبهم، وتسريب امتحان الثانوية عام 1960 الذي بثته إسرائيل على الهواء، ما أدى إلى إلغاء الامتحان وتأجيله.
ويعد كتاب (ضد المنطق .. قصة التعليم المصري من محمد علي باشا إلى امبراطور الفيزياء) تشريح كامل لأزمة التعليم في مصر من جذورها إلى مظاهرها الحديثة، وليس مجرد سرد تاريخي،
بدأ فيه بالأحدث والأكثر إيلامًا: الغش، والتزوير، والدروس الخصوصية، وتسريب الامتحانات، ثم يعود إلى الماضي ليكشف كيف بدأت المنظومة وكيف انحرفت. ويقدم المؤلف رؤية واضحة: التعليم في مصر لم يُهمل فقط، بل تُرك ليتآكل، حتى أصبح عبئًا على المجتمع بدل أن يكون رافعة للتقدم.
كارثة مرتقبة
وأثار إعلان وزير التربية والتعليم والتعليم الفني في حكومة الانقلاب، محمد عبد اللطيف دراسة مقترح لزيادة عدد سنوات التعليم الإلزامي إلى 13 عامًا بدلًا من 12 عامًا، موجة واسعة من الجدل داخل الأوساط التعليمية وبين أولياء الأمور، في ظل تساؤلات متصاعدة حول قدرة المنظومة التعليمية على استيعاب خطوة تشريعية بهذا الحجم في الوقت الراهن.
خبراء التعليم وعدد من أولياء الأمور، اعتبروا أن أي توسع في سنوات الإلزام يجب أن يسبقه حلّ جذري لأزمات قائمة، أبرزها نقص الفصول الدراسية، وتكدّس الطلاب داخل المدارس، والعمل بنظام الفترات المتعددة، فضلاً عن محدودية الطاقة الاستيعابية لرياض الأطفال الحكومية.
وقال مختصون وخبراء: إن "إدخال مرحلة رياض الأطفال ضمن التعليم الإلزامي يتطلب توسعًا كبيرًا في إنشاء الفصول ورفع كفاءة المدارس القائمة، إلى جانب توفير معلمات مؤهلات ومناهج مناسبة للطفولة المبكرة، مؤكدين أن نجاح أي خطوة تشريعية مرهون بمدى جاهزية البنية التحتية والتمويل الكافي".
وعبّر أولياء أمور عن مخاوف من أن يؤدي تطبيق القرار دون استعداد كافٍ إلى زيادة الضغوط على المدارس القائمة، وارتفاع كثافات الفصول، وربما تحميل الأسر أعباء إضافية في حال عدم توفر أماكن كافية في المؤسسات التعليمية الحكومية.
جاءت تصريحات عبد اللطيف خلال مشاركته في اجتماع لجنة الخطة والموازنة بمجلس نواب السيسي ضمن مناقشات الحسابات الختامية لموازنات الوزارات عن العام المالي 2024–2025، حيث استعرضت اللجنة أداء عدد من القطاعات الحكومية ومن بينها وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني.