فى الوقت الذى يعانى فيه المصريون من الضغوط الاقتصادية وتراجع قدرتهم الشرائية وانخفاض قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية ، حيث يعيش أكثر من 70 مليون مصرى تحت خط الفقر، وفق بيانات البنك الدولى، تعمل حكومة الانقلاب على فرض ضرائب جديدة لتحويل حياة المواطنين إلى جحيم .
وافق مجلس شيوخ السيسي على مشروع قانون مقدم من حكومة الانقلاب لتعديل بعض أحكام قانون الضريبة على العقارات المبنية رقم 196 لسنة 2008، وسط حالة من الترقب والرفض الشعبى لأى تشريع جديد يُحمل المواطنين المزيد من الأعباء المالية .
يُشار إلى أن قانون الضريبة على العقارات المبنية، رقم 196 لسنة 2008، يُنظم فرض ضريبة سنوية على جميع العقارات المبنية ، أيا كان نوعها أو الغرض من استخدامها، سواء كانت سكنية أو تجارية أو إدارية أو صناعية، طالما كانت قائمة على أرض مصر .
ويقوم القانون على احتساب الضريبة على أساس القيمة الإيجارية السنوية للعقار، باعتبار أن العقار يمثل وعاءً ضريبيًا ثابتًا، ويمكن لصاحبه الانتفاع به أو تحقيق دخل منه، حتى وإن لم يكن مستغلًا فعليًا، وتُحدد القيمة الإيجارية من خلال لجان الحصر والتقدير التابعة لمصلحة الضرائب العقارية، وفق معايير تتعلق بموقع العقار، ومستوى البناء، وطبيعة الاستخدام، ومتوسط الإيجارات السائدة فى المنطقة.
وتُفرض الضريبة بنسبة 10% من صافى القيمة الإيجارية السنوية، بعد خصم نسبة من القيمة مقابل مصروفات الصيانة، تختلف بحسب كون العقار سكنيًا أو غير سكني، ويُلزم القانون مالك العقار أو من له حق الانتفاع به بتقديم إقرار ضريبي، وسداد الضريبة فى المواعيد المحددة، مع توقيع مقابل تأخير فى حال عدم الالتزام بالسداد.
مسألة حياة أو موت
فى هذا السياق طالب حسين.م موظف بالمعاش ومالك عقار فى إحدى المناطق الشعبية برفع حد الإعفاء الضريبي، قائلا : البيت ده سكنى، ومش بيدخل لى أى دخل، ادفع ضريبة وأنا أصلًا معاشى مش مكفى الأكل والعلاج، عشان كدة لازم حكومة الانقلاب تراعى تخفيف الضريبة على أمثالى دى مسألة حياة أو موت .
وتساءل : كيف يتم فرض ضريبة عقارية على المنزل رغم عدم تحقيق أى عائد؟، مؤكدا أن الإعفاء طبيعى للسكن الأساسي.
وقالت منى.ع، ربة منزل وتمتلك عقارا ورثته عن والدها : المشكلة مش فى الإعفاء نفسه، المشكلة إن القانون بيعامل البيت اللى تمنه ملايين زي اللى تمنه مئات الآلاف، طالما الاتنين سكن أساسى.. فين العدالة؟.
وأوضحت أن العدالة الحقيقية تقتضى ربط الضريبة بقيمة العقار الفعلية، وليس فقط بكونه مسكنًا رئيسيًا.
صغار الملاك
وقال سيد.ع، مالك عقارين فى محافظة الجيزة: الناس فاكرة إن أى حد عنده أكتر من بيت يبقى مليونير، وده مش حقيقى أنا قاعد فى بيت صغير وولادى فى بيت تانى احنا فى أمس الحاجة لرفع حد الإعفاء .
وطالب بإعادة النظر فى تعريف «الثروة العقارية» وعدم الخلط بين صغار الملاك وشركات التطوير العقاري.
وقال عبد الرحمن مالك عقار قديم بالعمرانية : عندى عمارة إيجار قديم، العائد منها ضعيف جدًا، ومع ذلك بدفع ضريبة عقارية محسوبة على القيمة السوقية الحالية، مش على الدخل الحقيقى ده ظلم واضح.
وأشار إلى أن القانون الحالى لا يُراعى الفروق بين العقارات المنتجة وغير المنتجة للدخل.
القاعدة الضريبية
وشدد محمود.س، مستثمر عقارى على أنه ليس كل مالك عقار فاسدا أو متهربا، قائلا : "إحنا بندفع ضرائب ورسوم كتير، من تراخيص وبناء وصيانة، لذلك فرفع الإعفاء حق طبيعى فى ظل الغلاء".
وأكد رفضه تحميل ملاك العقارات مسئولية تمويل العجز، معتبرًا أن الحل فى توسيع القاعدة الضريبية وليس الضغط على فئة بعينها.
وقالت فاطمة.م، مالكة عقار: القوانين دايمًا شكلها حلو على الورق، لكن المشكلة فى التطبيق، اثبات عدم الانتفاع أو القوة القاهرة صعب، وبنلف بين المأموريات سنين.
وشددت على ضرورة أن تكون هناك آليات واضحة وسهلة تضمن تنفيذ التعديلات دون تعقيدات بيروقراطية.
حد الإعفاء
من جانبه قال الخبير الاقتصادي الدكتور صالح عزب ، إن رفع حد الإعفاء الضريبى للمسكن الخاص لا يمكن فصله عن البعد الاجتماعي، خاصة فى ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، التى تشهد ارتفاعًا غير مسبوق فى معدلات التضخم، وزيادة كبيرة فى تكاليف البناء، إلى جانب القفزات الملحوظة فى القيم السوقية والإيجارية للعقارات خلال السنوات الأخيرة.
وأكد عزب فى تصريحات صحفية أن أى تعديل تشريعى فى هذا التوقيت يجب أن ينطلق بالأساس من حماية الفئات الأكثر تضررًا، وعلى رأسها الطبقة الفقيرة والمتوسطة، التى تواجه أعباء معيشية متراكمة.
وأوضح أن الاتجاه نحو رفع حد الإعفاء الضريبي، سواء إلى 50 ألف جنيه أو المطالبة برفعه إلى 100 ألف جنيه، يعكس من حيث المبدأ اعترافًا بضرورة مراعاة البعد الاجتماعي، إلا أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن فقط فى قيمة الإعفاء، وإنما فى فلسفته وآليات تطبيقه، لافتا إلى أن قصر الإعفاء على وحدة سكنية واحدة تتخذ مسكنًا رئيسيًا للأسرة قد يبدو ظاهريًا تحقيقًا للعدالة الضريبية، لكنه فى الواقع يثير تساؤلات جوهرية حول مفهوم العدالة ذاته.
خلل واضح
وأشار عزب إلى أن هذا النهج يساوى عمليًا بين وحدات سكنية تختلف جذريًا فى قيمتها، حيث يعامل العقار الذى تبلغ قيمته مليونى جنيه، والعقار الذى تصل قيمته إلى 200 مليون جنيه، المعاملة الضريبية نفسها طالما اعتُبرا مسكنًا رئيسيًا، وهو ما يعكس خللًا واضحًا فى العدالة الضريبية، خاصة فى ظل التفاوت الكبير فى الثروة العقارية بين شرائح المجتمع.
وأكد أن الثروة العقارية فى مصر تُقدّر بنحو 10 تريليونات جنيه، تمثل قرابة 20% من الناتج المحلى الإجمالي، ورغم ذلك لا تتجاوز حصيلة الضريبة العقارية 4 مليارات جنيه فقط، وهو ما يعكس خللًا واضحًا فى منظومة التحصيل، ويطرح تساؤلات حول كفاءة النظام الضريبى فى استغلال أحد أكبر أوعية الثروة فى الاقتصاد المصري.
كارتلات التطوير العقاري
وأضاف عزب أن تعديل القانون، الذى يرفع حد الإعفاء إلى 50 ألف جنيه، سيترتب عليه إعفاء نحو 43 مليون وحدة سكنية من إجمالى 45 مليون وحدة، أى أن الضريبة ستُطبق فعليًا على قرابة مليونى وحدة فقط. ورغم هذا الإعفاء الواسع، لا يزال بعض أعضاء مجلس شيوخ السيسي يطالبون برفع حد الإعفاء إلى 100 ألف جنيه، وهو ما يعنى عمليًا إعفاء وحدات سكنية تصل قيمتها إلى نحو 10 ملايين جنيه.
واعتبر أن هذه المطالبات تعكس نفوذ ما وصفه بـ«كارتلات التطوير العقاري» داخل أروقة التشريع، محذرًا من أن التوسع فى الإعفاءات، خاصة لصالح القادرين، لا يهدد فقط الحصيلة الضريبية، بل يبعث برسالة خطيرة مفادها أن العبء الضريبى يمكن الالتفاف عليه لصالح أصحاب الثروات، بينما تتحمل الفئات الأضعف تبعات ارتفاع الأسعار والضرائب غير المباشرة.
وأكد أن العدالة الضريبية الحقيقية لا تتحقق بتوسيع الإعفاءات بلا ضوابط، وإنما بإعادة توزيع الأعباء بما يُراعى الفوارق الحقيقية فى الثروة والدخل.