رغم التوترات .. تركيا تسعى لإقناع واشنطن بتنازلات تكتيكية في الملف الإيراني

- ‎فيعربي ودولي

دخلت الوساطة التركية في الملف الإيراني مرحلة حساسة، حيث كثفت أنقرة جهودها الدبلوماسية لتفادي ضربة أميركية محتملة ضد طهران، لكنها ما زالت تواجه تحفظاً إيرانياً على توسيع نطاق المحادثات لتشمل ملفات غير النووي، في الوقت نفسه، تحاول تركيا إشراك السعودية ومصر وسلطنة عُمان لدعم مسار التسوية.

وقال مراقبون: إن "تركيا تمتلك علاقة مباشرة مع واشنطن وطهران وخبرة في الوساطات، إضافة إلى دعم عربي، لكنها تواجه محدودية ثقة إيران وخشيتها من تحول الوساطة إلى ضغط إضافي".

وأبدت إيران قبولاً مبدئياً بالحوار ورغبة في تجنب مواجهة عسكرية، لكنها ترفض إدراج ملفات غير النووي وتتحفظ على دور تركيا والسعودية.

مقابل انفتاح من واشنطن تكتيكياً على الوساطة لتفادي حرب مكلفة، لكنها تصر على إدراج الصواريخ والدور الإقليمي الإيراني.

وبحسب المراقبين فإن الوساطة التركية لم تنهار لكنها تعاني من جمود واضح بسبب اختلاف أجندة التفاوض، حيث تريد إيران حواراً ضيقاً يقتصر على النووي، بينما واشنطن وتركيا تسعيان لتوسيع النقاش، إشراك دول عربية قد يمنح الوساطة زخماً إضافياً، لكنه يثير شكوك إيران حول نوايا هذه الأطراف.

 

وأضاف المراقبون أن التسوية التركية وصلت إلى مرحلة اختبار الإرادة السياسية وأن نجاحها يتوقف على قبول إيران بتوسيع أجندة التفاوض أو على قدرة، حتى الآن، تبدو الوساطة قادرة على منع الانفجار العسكري لكنها لم تحقق اختراقاً جوهرياً.

وفي اجتماع إسطنبول (30 يناير 2026)، أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان ونظيره الإيراني عباس عراقجي على أهمية الحوار واستبعاد الخيار العسكري الأميركي.

وسبق لأنقرة أن قادت تحركات دبلوماسية عاجلة بين واشنطن وطهران، مستفيدة من علاقة الرئيس أردوغان بالرئيس الأميركي ترامب، لكن التحفظ الإيراني ظل قائماً، حيث أبدت طهران رغبة في نقل المحادثات إلى سلطنة عُمان وحصرها في الملف النووي فقط.

وفي المقابل، عملت تركيا على توسيع الدعم الإقليمي عبر التنسيق مع السعودية ومصر وعُمان، غير أن الموقف الإيراني المتحفظ أعاق التقدم.

 

أبرز المستجدات

وشهدت الساعات الماضية توتراً محدوداً لكنه لافت في المشهد الإيراني–الأميركي، فقد برزت المفاوضات المرتقبة في مسقط كأهم محطة سياسية، حيث من المقرر أن تنطلق الجولة السادسة بين واشنطن وطهران غداً، مع تركيز على البرنامج النووي وملف الصواريخ الباليستية، إضافة إلى ضغوط أميركية لوقف دعم إيران لحلفائها الإقليميين.

 

في المقابل، وقع حادث بحري جديد في مضيق هرمز حين طاردت زوارق الحرس الثوري ناقلة نفط أميركية، ما أعاد المخاوف من تصعيد في واحد من أهم الممرات النفطية العالمية، وعلى الأرض، عززت واشنطن انتشارها العسكري في الشرق الأوسط تحسباً لأي مواجهة محتملة، بينما غابت القوى الأوروبية عن جهود التهدئة، أما الموقف الإيراني في التفاوض فقد جاء واضحاً: طهران لن تناقش سوى ملفها النووي، رافضة إدراج قدراتها الدفاعية أو نفوذها الإقليمي.

 

دلالات التطورات

يمكن قراءة هذه الأحداث على أنها تصعيد محسوب، إذ تسعى واشنطن عبر تحركاتها البحرية والعسكرية إلى الضغط على إيران دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، كما يظهر خلاف جوهري على أجندة التفاوض، حيث تريد إيران حصر النقاش في النووي، بينما تسعى واشنطن لتوسيع الملف ليشمل الصواريخ ودعم الحلفاء الإقليميين، يضاف إلى ذلك غياب أوروبي ملحوظ، ما يضعف فرص التوصل إلى صيغة توافقية شاملة.

شبح المواجهة العسكرية

وفي تقرير موقع «أكسيوس» عن مسؤولين أمريكيين، ورد أن واشنطن أبلغت طهران أنها لن توافق على مطالبها المتعلقة بتغيير مكان وصيغة محادثات الجمعة، وهو ما جعل خطط المحادثات النووية بين الولايات المتحدة وإيران على وشك الانهيار. فقد رفضت واشنطن نقل الاجتماع من إسطنبول أو تحويله إلى صيغة ثنائية، الأمر الذي اعتبرته طهران شرطاً أساسياً للمضي قدماً.

 

كما نقل «أكسيوس» عن مسؤولين أمريكيين أن "الإسرائيليين"، وليس الرئيس دونالد ترمب، هم من يدفعون باتجاه ضربة عسكرية ضد إيران. ورغم أن ترمب صرح في البيت الأبيض بأن "قوة هائلة تتجه إلى إيران"، فإنه أكد أن بلاده ترغب في التوصل إلى اتفاق، محذراً من تداعيات الفشل في ذلك.

وأوضح المسؤولون أن ترمب لم يعد يرى الأنشطة النووية الإيرانية تهديداً وشيكاً كما كان يعتقد في يونيو الماضي، وأنه يعتبر الخيار العسكري الآن غير مناسب. حتى الاجتماع بين رئيس الأركان الإسرائيلي ونظيره الأمريكي لم يغير موقفه، فيما أشار مستشاروه إلى أن أي ضربة في الوقت الراهن ستقوض أجندته الإقليمية والدولية.

 

سعيد زياد @saeedziad علّق بأن الأخبار التي نشرها «أكسيوس» حول إلغاء المفاوضات جاءت كضغط أمريكي أخير لفرض شروط واشنطن، لكنه لم يحقق أهدافه، وانتهى الأمر بقبول الولايات المتحدة بالشروط الإيرانية.

أما الباحث بالمعهد المصري للدراسات محمود جمال @mahmoud14gamal وصف السياسة الأمريكية بأنها نموذج "التفاوض تحت التهديد باستخدام القوة"، حيث يتم حشد القدرات العسكرية دون تنفيذ الضربة مباشرة، بهدف انتزاع تنازلات، لكنه حذر من أن هذا النمط يحمل مخاطرة كبيرة، إذ قد تتحول القوة من أداة ردع إلى أداة استخدام فعلي، ما ينذر بحرب عالية الكلفة إذا اندلع الصراع.

ورأى الباحث الحقوقي عمر الفطايري @OElfatairy  أن إبرام صفقة ذات مغزى بين إيران والولايات المتحدة أمر غير محتمل، لأن النظام الإيراني فقد القدرة على تحويل الاتفاقات الخارجية إلى موافقة اجتماعية بعد أحداث القمع الأخيرة، وأكد أن أي تسوية قد تُقرأ داخلياً كضعف، مما يخلق تكاليف أمنية جديدة بدلاً من الاستقرار، وأن أقصى ما يمكن التوصل إليه هو صفقة تكتيكية قصيرة الأجل.

وضعي إقليمي متشابك

وقالت "وول ستريت جورنال": إن "عبد الفتاح السيسي ناقش مع نظيره الإيراني مقترحاً صاغته سلطنة عمان وقطر، يجمع بين معالجة مسألة تخصيب اليورانيوم وتقديم حوافز اقتصادية وتعهدات أمنية، بينما أشار الأكاديمي في العلوم السياسية د. عصام عبد الشافي @essamashafy إلى أن معظم دول جوار إيران شركاء للولايات المتحدة في استهدافها، وأن أي حديث عن منع استخدام أراضيهم أو أجوائهم مجرد تضليل، مؤكداً أن الهدف الأكبر هو تدمير المنطقة لصالح الكيان الإسرائيلي.

وتناول الكاتب السعودي سليمان العقيلي @aloqeliy الدور المالي الخفي للإمارات، وخاصة دبي، في شبكات غسل الأموال وتمويل الأنظمة والمليشيات الخاضعة للعقوبات الدولية، مشيراً إلى أن هذه البنية المالية المرنة مكّنت إيران من الالتفاف على العقوبات طوال العقدين الماضيين.

وأوضح أن مليارات الدولارات تمر عبر شبكات الشركات والمصارف في الإمارات، ما يتيح للحرس الثوري تمويل أذرعه الإقليمية مستعرضا دور الإمارات في ليبيا والسودان وسوريا عبر شبكات التمويل وغسل الذهب والنفط، ومؤكداً أن العقوبات الدولية استهدفت واجهات سطحية دون المساس بالبنية الأوسع.

وخلص إلى أن هذا النموذج المالي يمثل مشروعاً سياسياً واقتصادياً متكاملاً، يحول المال القذر إلى أداة نفوذ إقليمي، ويجعل الإصلاح مؤجلاً والمآسي متكررة.

ومنذ 2020، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عدة حزم عقوبات على شركات ومؤسسات صرافة إماراتية بتهمة تمويل الحرس الثوري وحزب الله. كما شملت شركات تعمل في تهريب النفط الإيراني والفنزويلي وغسل عائدات الذهب من السودان وزيمبابوي. الاتحاد الأوروبي بدوره أضاف بعض الكيانات إلى قائمته السوداء عام 2022 لتورطها في دعم الحروب في ليبيا واليمن.

وأشار إل أن النهج الإماراتي القائم على استيعاب “الأموال السائلة” من أي مصدر ليس مجرد مصادفة اقتصادية، بل مشروع سياسي واقتصادي متكامل. كل جهة تُضخ أموالها في النظام المالي الإماراتي تصبح أسيرة له، وكل فصيل أو نظام يعتمد ماليًا على دبي يصبح امتدادًا لنفوذ أبوظبي في السياسة الإقليمية.