بحلول مساء 3 فبراير، كان الثوار قد تمكنوا من إحكام السيطرة على ميدان التحرير من جديد، ليصبح ذلك اليوم علامة فارقة في مسار الثورة، بعدما فقد نظام مبارك آخر أوراقه في مواجهة الحراك الشعبي.
جاء ذلك عقب يومين داميين، 1 و2 فبراير 2011، حين شهد ميدان التحرير واحدة من أكثر اللحظات دموية وعبثية في تاريخ ثورة يناير، بعدما حاول مئات من بلطجية النظام اقتحام الميدان لإخلائه بالقوة.
كان المشهد صادمًا وباقيًا في ذاكرة المصريين: خيول وجمال يقودها بعض أبناء نزلة السمان، دُفعوا إلى الميدان بعد تحريضهم بزعم أن المعتصمين يقطعون رزقهم المرتبط بالسياحة، فاندفعوا بالسيوف والسنج لمحاولة اقتحام الميدان عنوة.
الثوار الذين كانوا يعتصمون في الميدان دافعوا عن أنفسهم ببطولة، مستخدمين الحجارة وبلاط الأرض، ليحافظوا على الميدان كنقطة فاصلة في نجاح الثورة وإسقاط مبارك.
ورغم مرور السنوات، التي جعلت المذابح تنسى بعضها بعضًا، باتت السلطة الحاكمة نفسها هي من تفض الاعتصامات بالرصاص والجرافات، وبمساندة “شعبية” من البلطجية. وفي ظل واقع تبدو فيه العدالة حلمًا بعيدًا، يبقى الحفاظ على الذاكرة حيّة هو الضمان الوحيد لبقاء الأمل في عدالة حقيقية، وفق مراقبين.
فموقعة الجمل، أول ثلاثاء في ميدان التحرير خلال ثورة 25 يناير، لم تكن مجرد مواجهة عابرة، بل لحظة فارقة جسدت صمود الشعب أمام آلة القمع، وكشفت زيف الإعلام، وأكدت أن الثورة كانت سلمية رغم الدماء.
الحفاظ على الذاكرة وتوثيق الشهادات والصور يبقى الطريق الوحيد لضمان ألا تُنسى هذه الجرائم، وأن يظل مطلب العدالة حيًا مهما طال الزمن. وستظل الذكرى شاهدًا على أن مستقبل مصر لن يُبنى إلا بالاعتراف بجرائم الماضي، وبإصرار الشعب على أن دماء الشهداء لن تضيع هدرًا.
الإعلام لا يميّز "البلطجة
لم يتوانَ الإعلام الرسمي يومها عن وصف المتظاهرين بالبلطجية، رغم أن بينهم أساتذة جامعات، وأعضاء في المجلس الأعلى للثقافة، وأطباء، ومهندسين، ومحامين، وقساوسة، وأزهريين، وشباب جامعات. كان المشهد مليئًا بالرموز الوطنية والثقافية، لكن الإعلام اختار شيطنتهم ووصفهم بالمجرمين.
في المقابل، تجاهل الإعلام بلطجية النظام الذين استخدموا قنابل المولوتوف والغاز المسيل للدموع والرصاص الحي ضد الثوار، في محاولة لتزييف الحقائق وتضليل الرأي العام.
بلطجية مبارك كسروا أبواب العمارات المواجهة للمتحف المصري، واستخدموها لقذف المتظاهرين بالحجارة والمولوتوف. ومع تصاعد المواجهات، تمكن الثوار من القبض على نحو 15 فردًا منهم، بعضهم يحمل بطاقات تثبت أنهم رجال أمن متنكرون في زي مؤيدي مبارك، ما كشف تورط الأجهزة الأمنية في إدارة الهجوم.
أما البقية فكانوا من معتادي الإجرام الذين اعترفوا بتلقي مبالغ زهيدة ووجبات غذائية مقابل المشاركة، وكان بعضهم تحت تأثير المخدرات، وفق شهادات الأطباء في الميدان، ما كشف طبيعة المرتزقة الذين جرى استئجارهم لإرهاب المعتصمين.
ورغم الهجمات العنيفة، تمكن الثوار من استعادة المواقع التي احتلها البلطجية، واحتجزوا المعتدين دون إيذاء، مؤكدين سلمية الثورة. وحتى بعد سقوط قتلى بالرصاص الحي، كان المتظاهرون يحمون المقبوض عليهم من غضب الجماهير.
ومع تزايد أعداد الجرحى، لم يعد المستشفى الميداني في أحد المساجد القريبة كافيًا، فأنشأ الأطباء مستشفى ميدانيًا جديدًا بجوار المتحف المصري، يعالجون فيه المصابين وسط أجواء الرصاص والمولوتوف.
ليلة الرصاص والدماء
استمرت المواجهات 12 ساعة كاملة، وسقط عشرات الجرحى والقتلى برصاص حي، بينهم إصابات في الرأس والبطن والأقدام. وتمركز الجيش عند المتحف، لكنه لم يتدخل إلا لإطفاء بعض الحرائق، قبل أن يسيطر نسبيًا على الموقف بعد سقوط نحو ستة شهداء.
واجه الشباب القنابل والرصاص بصدور عارية، يداوون جروحهم ثم يعودون للمواجهة. لم يخرج أحد من الميدان دون إصابة، وكانوا يسخرون من كثرة الجروح بقولهم: “من غرزة لعشرة ما يعتبرش الواحد جريح”. ومع الفجر، وصل متظاهرون جدد حاملين الطعام والدواء، ليجدوا رفاقهم قد أوفوا بوعدهم بأن الميدان لن يُسلّم إلا على أجسادهم.
أنصار الانقلاب
في أكتوبر الماضي، أثارت تصريحات حسام بدراوي، القيادي السابق في الحزب الوطني المنحل، جدلًا واسعًا حين اتهم حركة حماس بالضلوع في موقعة الجمل. وهو الاتهام ذاته الذي رددته وسائل إعلام مبارك قبل سقوطه، ثم تبناه لاحقًا إعلاميون مؤيدون للانقلاب.
هذه التصريحات، وفق مراقبين، تعكس عقلية التضليل التي ميزت دولة العسكر، وتهدف إلى خلق تاريخ مشوّه يخدم السلطة، بحسب يحيى غنيم.
وردت حركة حماس ببيان رسمي نفت فيه أي تورط، مؤكدة أن الاتهامات بلا أدلة، وأنها محاولة لتشويه صورتها لدى المصريين. وأثار البيان موجة تضامن واسعة على مواقع التواصل.
ويرى الأكاديمي د. أحمد عبد الله أن تصريحات بدراوي قد تكون محاولة من بعض الشخصيات لإعادة تموضعها داخل النظام السياسي بعد تراجع المعارضة.
لجنة تقصي الحقائق الثانية
شكّل الرئيس محمد مرسي لجنة تقصي حقائق جديدة حول أحداث الثورة، ثم بدأت محاكمة 25 متهمًا في القضية، بينهم شخصيات بارزة مثل صفوت الشريف وفتحي سرور وعائشة عبد الهادي. وفي أكتوبر 2012 انتهت المحاكمة ببراءة جميع المتهمين، ثم أغلقت محكمة النقض الملف نهائيًا، لتظل موقعة الجمل جريمة بلا عقاب.
وكشف الحقوقي جورج إسحاق أن النائب العام هشام بركات رفض إعادة التحقيق بحجة انتهاء المدة القانونية للطعن، ما عزز إحباط أسر الضحايا.
ونشرت المحكمة لاحقًا سبب البراءة، الذي لم يكن مرتبطًا بالوقائع أو الشهادات، بل بخطأ إجرائي ارتكبه النائب العام طلعت عبد الله حين قدم الطعن بعد انتهاء المدة.
التقرير الذي تضمن شهادات خطيرة ظل حبيس الأدراج، ولم يُنشر للشعب. مجموعة “وراكم بالتقرير” ضغطت إعلاميًا لنشره، معتبرة أن النائب العام ساهم في إفلات المجرمين من العقاب.
https://www.youtube.com/watch?v=7F3hbTrw9EU
https://www.youtube.com/watch?v=XhuFdC7T73g
https://www.youtube.com/watch?v=kG40INHpFYk
https://www.youtube.com/watch?v=GNySj3-tMW0
حزب الحرية والعدالة
أعرب حزب الحرية والعدالة عن صدمته من إفلات المتهمين والمحرضين على موقعة الجمل من العقاب، بسبب ضعف الأدلة المقدمة من النيابة. وأكد تمسكه بحقوق الشهداء الذين بذلوا دماءهم من أجل حرية وكرامة المصريين.
وأضاف الحزب أن تكرار البراءات في قضايا قتل المتظاهرين يثير غضب المصريين، ويدفع للتساؤل عن سر إفلات الجناة. وطالب النائب العام بتقديم أدلة حقيقية تكشف هوية من أطلق النار، أو التنحي إن كان عاجزًا عن أداء مهمته.
وأكد الحزب أن الشعب لن يقبل بإفلات القتلة، وأنه سيتخذ كل الإجراءات لضمان حقوق الشهداء والمصابين، داعيًا القوى الوطنية للتوحد خلف مطلب العدالة الناجزة.
شفيق والأجهزة أخفوا الأدلة
في 11 يونيو 2012، صرّح الدكتور محمد البلتاجي عبر برنامج “العاشرة مساءً” بأن أحمد شفيق يجب أن يُحاكم لمسؤوليته عن إتلاف أدلة الإدانة في موقعة الجمل، بدلًا من الاكتفاء بعزله.
وأشار إلى أن جهاز أمن الدولة ما زال يمارس التدليس، وأن شفيق آخر من يحق له الحديث عن الموقعة لأنه كان رئيسًا للوزراء وقتها. واعتبر أن تصريحاته محاولة لتزييف ذاكرة الشعب.
وأكد البلتاجي أن الوثائق والتسجيلات الخاصة بأيام الثورة موجودة لدى الأجهزة الأمنية، وأنه تقدم ببلاغ للنيابة. كما حمّل رؤساء المخابرات العامة والحربية والأمن الوطني مسؤولية عدم كشف هوية القناصة أو سائقي السيارات التي دهست المتظاهرين.
وفي ختام حديثه، رأى أن ما يثار يدخل في إطار “اللعبة الانتخابية”، حيث كان شفيق يحاول تشويه منافسه في انتخابات 2012، معتبرًا ذلك جزءًا من محاولات النظام القديم للعودة عبر التضليل الإعلامي والسياسي.
https://www.youtube.com/watch?v=3yc5yfqy2Hk
https://www.youtube.com/watch?v=z8tKowC_rEI
https://www.youtube.com/watch?v=Z4GzvSojz8Q