في خطاب بدا أقرب إلى رسائل سياسية مبطنة منه إلى احتفال رسمي، خرج المنقلب عبد الفتاح السيسي خلال احتفالية عيد الشرطة الـ74 ليتحدث عن دول تدعم ميليشيات وجيوشًا موازية ، من دون أن يجرؤ على تسميتها.
لكن المتابعين لم يجدوا صعوبة في فهم المقصود، فالإشارة بدت واضحة نحو الإمارات، الحليف القديم الذي تحوّل فجأة إلى متهم غير معلن في ملفات السودان واليمن.
السيسي، الذي اعتاد تجنّب الصدام مع أبوظبي طوال سنوات، اختار هذه المرة أن يلوّح بالاتهامات في توقيت لافت، جاء مباشرة بعد لقائه وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان. اللقاء الذي أكدت رئاسة الانقلاب أنه شهد “تطابقًا كاملًا” في المواقف بين القاهرة والرياض، بدا وكأنه إعادة اصطفاف إقليمي، خصوصًا في ظل التوتر المتصاعد بين السعودية والإمارات حول مستقبل جنوب اليمن.
ورغم أن السيسي لم يذكر الإمارات بالاسم، إلا أن حديثه عن “ميليشيات موازية” و”محاولات تقسيم الدول” يتقاطع بشكل مباشر مع الاتهامات الموجهة لأبوظبي بدعم قوات الدعم السريع في السودان، والمجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن. وهي اتهامات تنفيها الإمارات، لكن تكرارها من أطراف متعددة يجعلها جزءًا من المشهد السياسي المحتدم في المنطقة.
اللافت أن السيسي اختار هذا التوقيت تحديدًا ليقدّم نفسه في صف الرياض، التي تخوض صراع نفوذ مفتوحًا مع أبوظبي في اليمن. وكأن القاهرة تحاول استعادة موقعها الإقليمي عبر بوابة السعودية، بعد سنوات من الارتهان المالي والسياسي لدول الخليج.
مصر مستعدة للتماهي مع الموقف السعودي
البعض يرى أن السيسي يحاول إرسال رسالة مفادها أن مصر مستعدة للتماهي مع الموقف السعودي، وربما للحصول على دعم اقتصادي جديد، بعد أن تراجع الدعم الخليجي بشكل ملحوظ خلال العامين الماضيين.
وفي الوقت الذي تتهم فيه تقارير دولية الإمارات بدعم قوات الدعم السريع في السودان، تقف مصر والسعودية في الجهة المقابلة، داعمتين للجيش السوداني. هذا التباين جعل السيسي يبدو وكأنه يعلن اصطفافه بوضوح، حتى لو جاء ذلك عبر تلميحات غير مباشرة.
الظهور بمظهر المدافع عن “وحدة الدول العربية”
السيسي حاول أيضًا الظهور بمظهر المدافع عن “وحدة الدول العربية” و”رفض التهجير”، لكن خطابه بدا منفصلًا عن الواقع، خصوصًا في ظل الأزمات الداخلية التي تعيشها مصر، والانهيار الاقتصادي الذي يدفع الملايين إلى حافة الفقر. لذلك بدا حديثه عن “مؤامرات خارجية” محاولة جديدة لصرف الأنظار عن الأزمات الداخلية، وإعادة إنتاج خطاب التخويف الذي اعتاد النظام استخدامه.
في النهاية، بدا خطاب السيسي وكأنه جزء من لعبة توازنات إقليمية أكثر منه موقفًا مبدئيًا. فالرجل الذي ظل لسنوات يتغنى بـ“العلاقات الأخوية” مع الإمارات، لم يجد حرجًا في توجيه رسائل مبطنة إليها عندما اقتضت الحاجة السياسية. ومع تصاعد الخلاف السعودي‑الإماراتي، يبدو أن القاهرة اختارت الاصطفاف حيث توجد المصلحة، أو حيث يوجد “الإنقاذ المالي” المحتمل، في مشهد يعكس هشاشة السياسة الخارجية المصرية تحت حكم النظام الحالي.