بعد ثلاثة عشر عامًا على انقلابه العسكري على أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر، خرج عبد الفتاح السيسي في ذكرى ثورة 25 يناير، متحدثًا مطولًا عن “الدم” و”الخطر” و”حماية الدولة”، في خطاب أعاد إلى الواجهة أسئلة قديمة لم تُجب يومًا:
من سفك الدم؟ ومن أفلت من الحساب؟ ولماذا يعود السيسي اليوم لاستحضار رواية 2013 وكأن الزمن لم يتحرك؟
السيسي، الذي عيّنه الرئيس محمد مرسي قائدًا للجيش، ثم انقلب عليه وسجنه وتركه يموت داخل محبسه، حاول في كلمته خلال احتفاله بعيد الشرطة تحميل جماعة الإخوان المسلمين كامل المسؤولية عن أحداث 2013، قائلًا إنهم “بدأوا” العنف، وإنهم لو قبلوا بالانتخابات “لكانت أُجريت”.
لكن هذا الحديث – بحسب مراقبين – لا يُفهم إلا باعتباره محاولة متأخرة لتبرئة الذات، أو إعادة صياغة رواية رسمية تتهاوى أمام سجل دموي غير مسبوق في تاريخ مصر الحديث.
تناقض الرواية: انتخابات أم رصاص؟
يتساءل معارضون:
كيف يتحدث السيسي اليوم عن استعداده للسماح لمحمد مرسي بدخول الانتخابات، وهو نفسه من وصفه سابقًا بـ”الجاسوس”؟
وكيف يدّعي الحرص على المسار الديمقراطي، بينما اختُطف الرئيس المنتخب، وحوكم محاكمة صورية، ثم تُرك ليموت في السجن في ظروف وصفتها منظمات دولية بالقتل البطيء؟
الأكثر فجاجة – كما يرى نشطاء – أن خطاب “الانتخابات” يتجاهل حقيقة أن الانقلاب سبق أي مسار سياسي، وأن الرصاص سبق صناديق الاقتراع، بدءًا من مجزرة الحرس الجمهوري، مرورًا بـالمنصة، وصولًا إلى رابعة والنهضة، ثم رمسيس، وسيدى جابر، وسموحة، وغيرها من محطات الدم التي رسّخت حكم القوة لا القانون.
أثار تكرار السيسي لعبارة “لن أقابل ربنا بدم” موجة غضب واسعة على منصات التواصل.
فبحسب نشطاء حقوقيين، فإن المتحدث هو نفسه المسؤول السياسي الأول عن أكبر عملية قتل جماعي لمتظاهرين سلميين في تاريخ مصر الحديث.
كتب أحد النشطاء:
“الرجل الذي يخشى لقاء الله بالدم، هو نفسه الذي لم يفتح تحقيقًا واحدًا في رابعة، ولم يُحاسب مسؤولًا واحدًا عن آلاف القتلى”.
وقال مراقب سياسي:
“حين يتحدث السيسي عن الدم، فهو لا يستدعي الضحايا، بل يستدعي خوفه من التاريخ”.
عيد الشرطة… وذكرى الثورة: المفارقة الفادحة
جاء خطاب السيسي في احتفال بعيد الشرطة، المؤسسة التي كان أداؤها وأدوارها القمعية أحد الأسباب المباشرة لاندلاع ثورة 25 يناير 2011.
ويرى معارضون أن الاحتفال بالشرطة في ذكرى الثورة ليس مصادفة، بل رسالة سياسية تقول إن النظام انتصر على يناير، وأعاد عقارب الساعة إلى ما قبلها، بل إلى ما هو أسوأ.
وفيما يتحدث السيسي عن أن الشرطة “تحمي الدولة لا النظام”، يشير نشطاء إلى أن عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين، وملاحقة المعارضين، وإغلاق المجال العام، تؤكد أن الدولة اختُزلت في شخص الحاكم.
قراءة في خطاب “الوعي” و”الانتماء”
دعوة السيسي لتعزيز “الوعي” وانخراط الشباب في مؤسسات الدولة قوبلت بسخرية واسعة، إذ يرى معارضون أن هذا “الوعي” ليس سوى نسخة مُعلبة من الطاعة، وأن الأكاديميات التي يتحدث عنها لا تُنتج مواطنين أحرارًا، بل كوادر مُدجّنة تخدم سردية واحدة.
علق أحد المراقبين:
“لا يمكن بناء انتماء حقيقي في ظل سجون ممتلئة، وإعلام مكمم، وسياسة تُدار من غرفة أمنية”.
الخلاصة: لماذا يتكلم السيسي الآن؟
يرى محللون أن خروج السيسي للحديث عن 2013 والدم والانتخابات بعد 13 عامًا، ليس دليل قوة، بل علامة قلق.
قلق من تاريخ لم يُغلق، ومن ذاكرة لم تُمحَ، ومن ثورة لا تزال – رغم القمع – حاضرة في الوعي الجمعي.
فمن يحتاج إلى تبرير ماضيه بهذا الإلحاح، غالبًا ما يعرف أن هذا الماضي لم يُحاسَب… بعد.