بعد احتجاجات على مدى الأسبوعَين الماضيَين ومواجهات دامية، واستعدادات مكثفة على مدى اليومَين الماضيَين، شهدت إيران اليوم الاثنين، مسيرات حاشدة تحت عنوان "الاتحاد المقدس للإيرانيين ضد الإرهاب الصهيوني الأمريكي" في مختلف المدن والمحافظات الإيرانية، دعماً للجمهورية الإسلامية ورفضاً للتدخلات الأميركية والإسرائيلية وتنديداً بـ"أعمال الشغب والعنف" التي مرّت بها البلاد خلال الأيام الأخيرة.
وبدأت هذه المسيرات في المدن منذ الصباح، وفي العاصمة طهران ظهراً، إذ تجمع أنصار الجمهورية الإسلامية في ساحة "انقلاب" (الثورة) والشوارع المحيطة بها. وتقدم المشاركون، كبار قادة إيران، في مقدمتهم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، ووزراء وبرلمانيون وشخصيات سياسية ومجتمعية.
وفي كلمة له أمام مسيرات طهران، قال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إنّ "الأوضاع كلها باتت تحت سيطرة القوات الأمنية"، مضيفاً "أننا نواجه حرباً إرهابية من أعداء الشعب الإيراني ولذلك سيكون ردّنا بالتأكيد حاسماً ومؤلماً"، ومؤكداً أن الشعب الإيراني "هو الذي أفشل المؤامرة ضد إيران".
وخاطب قاليباف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعدما نعته بـ"المتوهم"، بالقول: "نحن الشعب الإيراني"، ومتوعداً بتلقينه "درساً لن ينساه" إنْ قرّر الهجوم على إيران، قائلاً: "اِفعل ذلك لكي ترى أن جميع مصالحكم في المنطقة ستتدمّر ونؤدب الحكام الظلمة"، وأضاف مخاطباً ترامب: "لا تصدق الأكاذيب التي ينقلونها إليك".
وشدّد قاليباف على أنّ "90 مليون إيراني من مختلف المكونات السياسية والشعبية يقفون متحدين وموحدين في وجه الأعداء"، موضحاً أن أحد أسباب "انتصار إيران في الحرب التي استمرت 12 يوماً كان وقوف الشعب معها وهذه المرة أيضاً أخطأوا"، وقال: "يستحق شعبنا الكبير الشجاع الذي يتسامح معنا ويحضر الميدان في الأيام العسيرة، أن نركع أمامه بكل إجلال وتعظيم ونضحي بأرواحنا لأجله"، وأضاف أن "العدو كان يهدف إلى هزيمة إيران وتفكيكها في الأيام الأولى من خلال التمرد والفوضى"، مشيراً إلى أن "العدو بعد مرور 7 أشهر من الحرب لا يترك أهدافه المشؤومة والإجرامية ويريد تحقيقها من خلال الممارسات الإرهابية".
وتابع رئيس البرلمان الإيراني أن "هؤلاء الدواعش الخائنون للوطن قد بدأوا حرباً إرهابية ضدّ الشعب ورأيتم ماذا فعلوا من خلال إثارة الرعب والذعر"، وأردف: "لن نغفل الحرب الاقتصادية أبداً والاستقرار الاقتصادي حق لشعبنا".
وعادة عندما تواجه إيران اضطرابات أمنية واحتجاجات، تعول السلطات على الشارع المؤيد لها ورقةً لحسم الموقف، وهو ما حصل في احتجاجات 2009 على نتائج الانتخابات الرئاسية، وثم عام 2022 بعد احتجاجات "مهسا أميني" بسبب موضوع الحجاب. ورفع المشاركون في المسيرات، هتافات ضد الولايات المتحدة وإسرائيل ونجل الشاه رضا بهلوي، وأخرى دعماً للمرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي والجمهورية الإسلامية، مع مطالبة الحكومة بالعمل على رفع الأزمات الاقتصادية وتحسين الحالة المعيشية للمواطنين.
وقال أمير حسين حيدري المشارك في هذه المسيرات في طهران لـ"العربي الجديد" إنه قرّر المشاركة فقط لأجل "الحفاظ على الثورة وتراث الشهداء في مواجهة من يريد أن يبيع الوطن لأميركا وإسرائيل"، مضيفاً أنه "من الباسيج ولن يسمحوا بأي ثمن كان بأن تعود إيران إلى العهد البهلوي لتصبح مرة أخرى تابعة للإمبريالية".
وقال رضا عبدي وهو طالب جامعي قرر المشاركة في هذه المسيرات إنه خرج "ليس دعماً لأحد لكن لأنّني شعرت أن الدولة وأمنها برمتها أصبحت في خطر، وأن هناك توجهاً لتحويل إيران إلى مثل حال سورية وليبيا"، مضيفاً أنه يدعم مطالب المحتجين؛ "لأنّ الوضع الاقتصادي صعب للغاية وكثير من الأسر لا تحتمل ذلك"، لكنه رفض "أي شكل من أشكال العنف لأن النتيجة ستكون مأساوية".
فاطمة رضوي شاركت في مسيرات طهران، اليوم الاثنين، لكونها شعرت بالقلق على "النظام الإسلامي بعدما شاهدت مظاهر وجود مسلحين ملثمين في الشوارع وجرأتهم غير المسبوقة في مهاجمة قوات الباسيج والشرطة"، ولم تخفِ فاطمة في حديثها مع "العربي الجديد" غضبها من الحكومة الإيرانية الحالية، محملة إياها مسؤولية تدهور الوضع الاقتصادي في البلد وهبوط الريال بحدّة غير مسبوقة، قائلة "يبدو أن هناك من كان يريد أن يوصلنا إلى هذه الحالة. على الحكومة أن تتخذ قراراتها الاقتصادية في وقت مناسب ليس في خضم الأزمات".
كما ذكرت الشابة ياسمين أنها قرّرت الانخراط في مسيرات اليوم في طهران لمخاوف لديها من حرب قادمة جديدة على البلاد، مشيرة في حديثها لـ"العربي الجديد" إلى أنه "إذا كانت المشاركة كثيفة في المسيرات ربما هذا يدفع أميركا وإسرائيل إلى إعادة النظر في حساباتهما"، وأضافت: "رغم عودة الهدوء إلى الشوارع لكنّني قلقة مما يمكن أن تحمله الأيام المقبلة من تطورات أمنية" في ضوء تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
أما المواطن الستيني علي صادق بور، " إنّ مشاركته في مسيرات طهران جاءت بدافع حرصه على "الجمهورية الإسلامية والحفاظ عليها"، مضيفاً أن "هناك قوى وأفراد مثل رضا بهلوي"، اتهمهم بـ"الخيانة والعمالة"، تتحالف مع أميركا وإسرائيل لـ"القضاء على النظام وهذا الأمر استدعاني إلى أن أقول اليوم كلمتي رفضاً لهم"، مؤكداً أنّ "أنصار الجمهورية الإسلامية لن يسمحوا بتمرير هذه الخطة إلّا على أجسادهم وأرواحهم".
حينها، قاطعه شاب متحمّس كان يردّد هتافات بالقول "إنّنا مستعدون لنموت والذهاب إلى النهاية في سبيل الحفاظ على الثورة ومكتسباتها"، ومؤكداً "سنقضي على العملاء والإرهابيين"، حسب قوله.
وبالعودة من وسط طهران، حيث المسيرات، قابل "العربي الجديد"، مارة لم يشاركوا فيها، إذ قال شاب ثلاثيني اسمه شهريار إنه لم يشارك لأنه "غير مهتم بهذه الأشياء. أنا غارق في عمل"، ثم تساءلت شابة "أنا لست مُناصرةً للجمهورية الإسلامية لكي أشارك فيها"، وآخر قال "يا ليت لو كانت الاحتجاجات أيضاً مؤمّنة لكي أشارك فيها".