أعادت قرارات إيقاف صحفي وستة من عمال مطابع مؤسسة «أخبار اليوم» الحكومية إلى الواجهة الجدل المتصاعد حول طبيعة القيادات التي جرى تصعيدها لإدارة المؤسسات الصحافية القومية عقب انقلاب 2013، والدور الذي لعبته هذه القيادات في تحويل الصحافة من سلطة رقابية إلى أداة صدام وعقاب إداري.
وتشير تطورات الأزمة الأخيرة إلى نمط متكرر في إدارة «أخبار اليوم»، قائم على التضييق على الأصوات المنتقدة، ومعاقبة أي تضامن مهني أو عمالي، وهو ما فجّر موجة غضب واسعة داخل الوسط الصحفي والعمالي، وفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول أهلية وخلفيات بعض القيادات التي تبوأت مواقعها بالمخالفة للقوانين والأعراف المهنية.
من العفو الرئاسي إلى رئاسة مؤسسة قومية
في قلب هذا الجدل، يبرز اسم الصحفي إسلام عفيفي، الذي سبق أن صدر بحقه حكم قضائي بالحبس لإهانته الرئيس الشهيد الدكتور محمد مرسي بألفاظ وُصفت حينها بـ«الهابطة»، قبل أن يصدر الدكتور مرسي قراراً بالعفو عنه، في واحدة من أبرز الإشارات على احترام حرية الصحافة وعدم حبس الصحافيين، بل وتأكيد ذلك بقرار رئاسي يمنع الحبس في قضايا النشر.
غير أن هذا العفو لم يُقابل بسلوك مهني مسؤول، إذ واصل عفيفي – بحسب منتقديه – هجومه على أول تجربة ديمقراطية في تاريخ مصر الحديث، قبل أن يجري تصعيده لاحقاً، بعد الانقلاب، إلى مواقع قيادية انتهت بتعيينه رئيساً لمؤسسة «أخبار اليوم»، في خطوة اعتبرها كثيرون مكافأة سياسية لا استحقاقاً مهنياً.
إدارة بالصدام لا بالقانون
ويرى مراقبون أن ما تشهده «أخبار اليوم» اليوم من صدامات داخلية، وقرارات إيقاف وتحقيق، ليس سوى امتداد لنهج إداري قائم على إرضاء الأجهزة الأمنية، وتقديم «الولاء» على حساب المهنية، ما حوّل مؤسسة صحافية عريقة إلى ساحة توتر دائم، وأفقدها دورها الإعلامي لصالح وظيفة رقابية داخلية على العاملين بها.
وفي هذا السياق، اعتبرت لجنة الحريات بنقابة الصحفيين أن قرارات إيقاف الصحفي حسام الكاشف وستة من عمال المطابع تمثل «عقاباً إدارياً مقنّعاً» و«محاولة ترهيب» لكل من يجرؤ على الدفاع عن حقوق العمال، أو كشف أوجه الخلل داخل المؤسسات القومية.
وأكدت اللجنة أن توصيف التضامن العمالي أو الكتابة الصحافية بوصفها «إفشاء أسرار» يمثل انحرافاً خطيراً في استخدام السلطة، ويعكس ذهنية أمنية تُدار بها المؤسسات الصحافية، لا علاقة لها بالقانون أو الدستور.
أزمة أعمق من قرار إيقاف
ولا تنفصل هذه الأزمة عن أوضاع عمالية متدهورة داخل مطابع «أخبار اليوم»، تشمل تأخر مستحقات مالية، وغموضاً بشأن الأرباح، وتدني الأجور، وتقليص خدمات العلاج، في مقابل ما يصفه العاملون بإهدار المال العام عبر تعيينات وترقيات قائمة على المحسوبية.
ويرى حقوقيون أن ما يجري داخل المؤسسة، يعكس نموذجاً مصغراً لإدارة الصحافة القومية بعد الانقلاب، حيث جرى استبدال معايير الكفاءة والمهنية بمعايير «الرضا الأمني»، ما أفرغ المؤسسات من دورها، وحوّلها إلى أدوات ضبط داخلي وقمع ناعم.
تحذير من انفجار أوسع
وحذرت منظمات حقوقية من أن استمرار هذا النهج، يهدد بمزيد من الاحتقان داخل المؤسسات الصحافية، ويقوّض ما تبقى من حرية التعبير والعمل النقابي، مؤكدة أن الدفاع عن حقوق العمال والصحفيين ليس جريمة، بل جوهر العمل الصحافي ودوره المجتمعي.
وتعيد أزمة «أخبار اليوم» طرح سؤال قديم جديد: هل أُنشئت المؤسسات الصحافية القومية لخدمة المجتمع والحقيقة، أم لإرضاء «الأسياد» في الغرف المغلقة؟ سؤال باتت الإجابة عنه أكثر وضوحاً مع كل قرار إيقاف، وكل تحقيق، وكل صوت يُعاقَب لأنه تجرأ على الكلام.