رغم الغرق غير المسبوق للاقتصاد المصري في الديون، يواصل نظام عبد الفتاح السيسي تحميل المواطنين أعباء قروض جديدة، تُسدد أقساطها وفوائدها على مدى خمس سنوات مقبلة، وسط غياب كامل للشفافية حول مصير هذه الأموال، وجدواها، ومن المستفيد الحقيقي منها.
فقد أعلن وزير خارجية النظام، بدر عبد العاطي، أن القاهرة تتوقع صرف أربعة مليارات يورو متبقية من حزمة مساعدات مالية كلية يقدمها الاتحاد الأوروبي، ضمن اتفاق “شراكة استراتيجية” بقيمة إجمالية 7.4 مليارات يورو، على أن تُصرف على ثلاث شرائح حتى عام 2027.
وبحسب تصريحات عبد العاطي، فإن الشريحة الأولى، وقيمتها مليار يورو، يُنتظر تحويلها خلال أيام، بعد إتمام القاهرة المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامجها مع صندوق النقد الدولي، وهو البرنامج الذي اشترط مزيداً من خفض الدعم، وتعويم العملة، وتقليص الإنفاق الاجتماعي، مقابل ضخ أموال جديدة في شرايين نظام يعاني اختناقاً مزمناً.
قروض تُدفع من جيوب الفقراء
وما يُغفله الخطاب الرسمي، أن هذه “المساعدات” ليست منحاً، بل قروض واجبة السداد، ستُحمَّل على الموازنة العامة، وتُسدد من الضرائب، ورفع الأسعار، وتقليص الخدمات، أي من جيوب المواطنين الذين لم يجنوا من القروض السابقة سوى التضخم، وانهيار الجنيه، واتساع رقعة الفقر.
المساعدات المالية الكلية، وفق تعريف الاتحاد الأوروبي نفسه، تُمنح للدول التي تعاني أزمات حادة في ميزان المدفوعات، وتأتي مكملة لبرامج صندوق النقد الدولي، ما يعني عملياً خضوع الاقتصاد المصري لمزيد من الوصاية الخارجية، مقابل استمرار النظام السياسي القائم.
أين تذهب المليارات؟
السؤال الجوهري الذي لا تجيب عنه الحكومة: أين تذهب هذه القروض؟
هل تُوجَّه إلى إنتاج حقيقي، أو صناعة، أو زراعة، أو تحسين خدمات التعليم والصحة؟
أم تُهدر في مشروعات عملاقة فاشلة، تكلّف عشرات أضعاف عائدها، وتخدم بالأساس شركات تابعة للجيش، وتُستخدم كأدوات ولاء لضباط وجنرالات، يضمنون بقاء السيسي في الحكم مهما كان الثمن؟
الوقائع السابقة لا تبعث على التفاؤل؛ فمع كل قرض جديد، تتضاعف الديون، وتتراجع مؤشرات المعيشة، بينما تتضخم ثروات الدائرة الضيقة المحيطة بالحكم، في ظل غياب الرقابة البرلمانية، وانعدام المحاسبة، واحتكار المؤسسة العسكرية لمفاصل الاقتصاد.
دعم سياسي مغلف بالمال
وتربط وزارة الخارجية المصرية صرف الشريحة الثانية من القروض بـ”تقدير” الاتحاد الأوروبي للشراكة الاستراتيجية مع القاهرة، في إشارة واضحة إلى أن هذه الأموال ليست مجرد دعم اقتصادي، بل مقابل سياسي لدور النظام في ملفات الهجرة، وأمن الحدود، وغض الطرف عن انتهاكات حقوق الإنسان.
كما أن تبرير الحزمة بتداعيات حرب غزة، وأحداث البحر الأحمر، والحرب في أوكرانيا، لا يفسر لماذا تُدار الأزمة دائماً عبر الاستدانة، لا عبر إصلاح حقيقي يطال بنية الحكم، وأولوياته، وإنفاقه العسكري، ومشروعاته الاستعراضية.
ديون اليوم.. وأزمة الغد
الاتحاد الأوروبي أعلن صراحة أن المساعدات ستكون على شكل قروض، ومشروطة بتحقيق “تقدم مرضٍ” في برنامج صندوق النقد الدولي، أي مزيد من الضغط على المجتمع، مقابل إنعاش مؤقت لنظام يستهلك القروض دون أن يبني اقتصاداً قادراً على السداد.
في النهاية، لا تبدو هذه المليارات طريقاً للخروج من الأزمة، بقدر ما تبدو مسكّناً سياسياً واقتصادياً يمدّ في عمر نظام فقد شرعيته، بينما يترك الأجيال القادمة رهينة لديون تُسدد حتى ما بعد 2030، دون أن تعرف: لماذا استُدين؟ ولصالح من؟