كشف المستشار وليد شرابي، أن صعود المستشار عمر مروان، الرئيس السابق لما يسمى (لجنة تقصي الحقائق القضائية التي شكلها المجلس العسكري -2011)، لم يكن نتيجة كفاءة قانونية بقدر ما كان "مكافأة سياسية" على دوره في تبرئة المجلس العسكري من جرائم الثورة وأن هذا الصعود المبرر في نظر السيسي يعكس كيف تُستخدم المؤسسات القضائية لتضليل العدالة وتثبيت السلطة، وهو ما يراه شرابي جزءًا من مسار أوسع يحدد مستقبل مصر والجيش.
وفي مقال بعنوان " مستقبل مصر ومستقبل الجيش ( ٢ ) " اعتبر "شرابي" Waleed Sharaby أن التحقيقات التي قادها عبد المجيد محمود وعمر مروان كانت "خربة"، هدفها تضليل العدالة وحماية المجلس العسكري.
وأكد أن الرئيس مرسي حاول إعادة فتح الملفات عبر الإعلان الدستوري وتعيين طلعت عبد الله، لكن ذلك وضع السيسي في مأزق، فكان الانقلاب ضرورة بالنسبة له لحماية نفسه وقياداته.
وشدد شرابي على أن استعراض هذه الوقائع ليس انحيازًا ضد الجيش المصري، بل محاولة لفهم الماضي لتوضيح رؤيته حول مستقبل مصر ومستقبل الجيش.
صعود عمر مروان بعد الانقلاب
بعد انقلاب السيسي في يوليو 2013، أشار شرابي إلى أن مسارا صاعدا عكس "احتضان السيسي لصاحب الفضل عليه"، بعد أن برأه من المحاكمة في قضايا قتل المتظاهرين فكافأ عمر مروان على دوره السابق عبر تصعيد متتالي:
2014: أمين عام اللجنة العليا للانتخابات.
2016: مساعد وزير العدل لقطاعي الخبراء والطب الشرعي.
2017: وزير الدولة لشؤون مجلس النواب.
2019 – 2024: وزير العدل.
يوليو 2024: مدير مكتب رئيس الجمهورية، وهو منصبه الحالي.
دور النائب العام عبد المجيد محمود
وتعامل النائب العام آنذاك عبد المجيد محمود بحسب شرابي، مع المجلس العسكري وكأنه "مجند في الجيش"، فبرأ قياداته من أي اتهام ولفّق التهم إلى أبرياء، بينهم أفراد من نظام مبارك، وأفسد التحقيقات في قضايا الثورة.
هذا التواطؤ دفع الرئيس محمد مرسي لاحقًا إلى عزله وتعيين المستشار طلعت عبد الله نائبًا عامًا جديدًا، الذي أنشأ "نيابة الثورة" لإعادة التحقيق في قضايا قتل المتظاهرين.
لجنة عمر مروان
وشكل المجلس العسكري لجنة قضائية لجمع الأدلة في قضايا قتل الثوار، وأسند رئاستها إلى المستشار عمر مروان إلا أن شرابي أكد أن مروان؛ برّأ أعضاء المجلس العسكري من الجرائم، وخلط بين المتهمين الحقيقيين وأبرياء، وحرص على "غسل يد" المجلس العسكري من أي مسؤولية، وهي أدوار ثلاثة أهلته وفق شرابي، ليكون أحد أبرز من ضلل العدالة في تلك المرحلة.
مستقبل مصر ومستقبل الجيش ( 1)
يشار إلى أن المستشار وليد شرابي خصص 3 مقالات بعنوان واحد وهو (مستقبل مصر ومستقبل الجيش) وفي الجزء الأول منه استعرض كيف بدأت الثورة ضد وزير الداخلية ثم تحولت إلى فرصة للعسكر للسيطرة على الدولة، وأن الجرائم التي ارتكبها المجلس العسكري بعد تنحي مبارك فاقت بكثير الأسباب التي أشعلت الثورة. ويؤكد أن مستقبل مصر والجيش لا يمكن فهمه دون استحضار هذه الوقائع، على أن يستكمل رؤيته في الجزء الثاني من السلسلة.
وربط شرابي "شرارة الثورة وأسبابها" في 25 يناير 2011 إلى سياسيات وزارة الداخلية وحبيب العادلي بمقتل الشاب خالد سعيد الذي أصبح رمزًا للقمع الأمني، ومقتل المواطن سيد بلال تحت التعذيب، وتزوير انتخابات البرلمان عام 2010.
ورأى أن الهدف الأولي للثورة لم يكن إسقاط نظام مبارك، بل عزل وزير الداخلية وتغيير سياسات الأمن بما يحترم حقوق الإنسان.
ثم لفت "شرابي" إلى أن المجلس العسكري استغل الفرصة وحوّل الثورة إلى وسيلة للسيطرة على مفاصل الدولة والاستيلاء على ثرواتها وأن مجلس طنطاوي اعتمد على السمعة الطيبة التي كان الجيش يتمتع بها في نفوس المصريين، وهي سمعة بناها مبارك خلال ثلاثين عامًا حين أبعد المؤسسة العسكرية عن الصدام المباشر مع الشعب.
وبعد نزول الجيش إلى الشارع يوم جمعة الغضب 28 يناير 2011، ارتكب خلال أشهر قليلة جرائم وانتهاكات لم تحدث طوال حكم مبارك.
ضحايا وجرائم
واستعرض "شرابي" أربع وقائع رئيسية شارك بها المجلس العسكري منها:
أحداث ماسبيرو (أكتوبر 2011)، وقُتل نحو 27 متظاهرًا مسيحيًا دهسًا تحت مدرعات الجيش أو بإطلاق النار المباشر، بقيادة طنطاوي وعنان والسيسي.
أحداث محمد محمود (نوفمبر 2011)، وسقط أكثر من 50 شهيدًا خلال مواجهات مع قوات المجلس العسكري.
أحداث مجلس الوزراء (ديسمبر 2011)، وكانت احتجاج محدود على تعيين كمال الجنزوري تحول إلى مجزرة راح ضحيتها 17 قتيلًا، إضافة إلى مئات الإصابات وحالات هتك عرض للفتيات، ومنها مشهد "ست البنات" الشهير.
كشوف العذرية (مارس 2011)، جريمة مباشرة ارتكبها عبد الفتاح السيسي بصفته رئيس المخابرات الحربية، حيث تم القبض على 18 فتاة وسيدة في ميدان التحرير وتجريدهن من ملابسهن وإخضاعهن لفحوص قسرية لإثبات العذرية، وهو ما وصفه شرابي بأنه "جريمة لن تسقط بالتقادم".
إشارة وبداية
وفي 12 مارس 2019 كتب المستشار Waleed Sharaby عن عمر مروان وجرائمه وخيانته للأمانة ليس تكرارًا كاملًا مركزا على نقطة محددة هي لجنة تقصي الحقائق ودور عمر مروان، بينما في مقالات مستقبل مصر ومستقبل الجيش توسّع شرابي في سرد الأحداث والجرائم (ماسبيرو، محمد محمود، مجلس الوزراء، كشوف العذرية).
وكانت فكرته السابقة تمهيدا آنذاك لفكرته الأساسية، أي أن المجلس العسكري ضلّل العدالة وأن السيسي كافأ من ساعده في ذلك، وهي الفكرة التي بني عليها لاحقًا في مقالاته المطولة، ملمحا إلى شعار الرئيس محمد مرسي "اوعوا الثورة تتسرق منكم".
https://www.facebook.com/photo?fbid=2295790197363171&set=a.1451546358454230
(طمس الحقائق) في رابعة
وكشفت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في تقرير لها بعنوان (طمس الحقائق) عن رابعة العدوية حقائق ليست مجرد واقعة منفصلة، بل استمرار لنمط طمس الحقائق وتبرئة القيادات الذي بدأ مع لجنة عمر مروان بعد يناير، الفارق أن تقرير رابعة ظل مخفيًا بالكامل، بينما استُخدم تقرير لجنة يناير لتبرئة المجلس العسكري علنًا، في الحالتين، النتيجة واحدة: حماية السلطة على حساب العدالة ودماء الضحايا.
وفي تقرير المبادرة المصرية (14 أغسطس 2023) عن فض اعتصام رابعة يوضح أن هناك استمرارًا لنمط طمس الحقائق الذي سبق أن أشار إليه المستشار وليد شرابي في حديثه عن دور المستشار عمر مروان في لجنة تقصي الحقائق الخاصة بجرائم قتل المتظاهرين بعد ثورة يناير.
الربط بين دور عمر مروان وما جرى في رابعة
وتولى عمر مروان أمانة لجنة تقصي الحقائق التي شكّلها المجلس العسكري، في 2011–2012، واتُهم حينها – وفقًا لشرابي – بأنه أهدر الأدلة والشهادات التي كانت تثبت تورط العسكر في قتل المتظاهرين، مما أدى إلى تبرئة قيادات المجلس العسكري.
أما في 2013–2014 فقد شكّل النظام لجنة قومية جديدة لتقصي الحقائق في أحداث ما بعد 30 يونيو، بما فيها فض اعتصام رابعة. هذه اللجنة برئاسة المستشار فؤاد رياض ضمت شخصيات قضائية وإدارية، وكان عمر مروان حاضرًا في المشهد السياسي والقضائي وقتها، إذ عُيّن لاحقًا في مواقع حساسة بوزارة العدل والانتخابات.
وتوصل مراقبون إلى أن النتيجة واحدة لتقارير اللجان سواء في لجنة ما بعد يناير أو لجنة ما بعد 30 يونيو، ظلّت التقارير النهائية طي الكتمان، ولم تُنشر للرأي العام، ما يعكس استمرار سياسة التعتيم على المسؤولية المباشرة للقيادات الأمنية والعسكرية.
وقالت لجنة رياض فايز: إنه "قتل 618 مدنيًا على الأقل في يوم واحد، إضافة إلى 4 ضباط و5 مجندين وخلصت اللجنة إلى أن إطلاق النار كان عشوائيًا وغير متناسب، خاصة في الساعات الخمس الأولى من عملية الفض".
وأكدت اللجنة المشكلة أنه "كان من الممكن إنهاء تجمع رابعة دون أن تسال كل هذه الدماء"، كما أن رئيس اللجنة المستشار فؤاد رياض نفسه كتب قبل وفاته عام 2020 أن التقرير ما زال "طي الكتمان"، وهو ما يعزز فكرة أن الدولة تعمدت إخفاء النتائج.
إخفاء الحقائق في رابعة يعكس نفس النهج الذي اتُّبع في لجان تقصي الحقائق السابقة، ومنها لجنة عمر مروان بعد يناير وأن وجود عمر مروان في هذه اللجنة لم يكن حدثًا عابرًا، بل جزء من منظومة أوسع هدفها حماية القيادات العسكرية من المحاسبة، سواء في جرائم الثورة أو في مجزرة رابعة.
https://www.facebook.com/photo?fbid=699250305562152&set=a.643680164452500