قبل أيام، دعت حركة حماس لأداء صلاة الغائب الجمعة الماضية 2 يناير الجاري، على أرواح القادة الشهداء من كتائب القسَّام الذين أعلنت استشهادهم وهم القادة؛ محمد السنوار ومحمد شبانة وحكم العيسى ورائد سعد وحذيفة الكحلوت (أبو عبيدة).
وفي 29 ديسمبر 2025، نعت كتائب القسام عدداً من قادتها العسكريين، على لسان الناطق الجديد أبو عبيدة كلا من القادة: محمد شبانة (أبو أنس) قائد لواء رفح، رائد سعد (أبو معاذ) قائد ركن التصنيع العسكري، محمد السنوار قائد أركان كتائب القسام، إضافة إلى الناطق السابق باسمها أبي عبيدة حذيفة الكحلوت وحكم العيسى أبو عمر، المهاجر المجاهد المتفاني، والقائد الرباني المتواضع.
قائد لواء رفح
ومحمد شبانة (أبو أنس) هو أحد أبرز القادة العسكريين في كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس. شغل منصب قائد لواء رفح، وهو أحد أهم الألوية القتالية في جنوب قطاع غزة.
ووُلد عام 1973 في مدينة رفح جنوب قطاع غزة وينحدر من عائلة فلسطينية هجّرت من قرية حِتّا قرب عسقلان ونشأ في بيئة لجوء، وشارك في انتفاضة الحجارة في أواخر الثمانينيات.
ويعد محمد شبانة من الجيل الأول لكتائب القسام في منطقة خانيونس ورفح وبرز اسمه في عدة مجالات منها؛ قيادة لواء رفح وكان مسؤولاً عن أربع كتائب قتالية تقريباً، ويُعتبر من أهم القادة الميدانيين في جنوب القطاع.
وساهم في تطوير شبكة الأنفاق الهجومية والدفاعية، وفي التخطيط لعمليات نوعية ضد الاحتلال، ووفق مصادر فلسطينية، شارك في عملية أسر الجندي جلعاد شاليط وعملية نذير الانفجار وتطوير منظومات الإمداد والاتصالات داخل القسام وكان له دور في تطوير إعلام كتائب القسام، خاصة في رفح وخانيونس.
وأعلنت كتائب القسام رسمياً أن محمد شبانة استشهد في 13 مايو 2025 خلال قصف إسرائيلي استهدف نفقاً في خانيونس، وكان برفقة القائد العام محمد السنوار.
كما أكدت مصادر للعدو الخبر لاحقاً، وأدرجته القسام ضمن قائمة كبار قادتها الذين فقدتهم خلال الحرب.
وعن مكانته داخل القسام، يُوصف شبانة بأنه من القادة الكبار الذين خلفوا محمد الضيف في بعض المهام الميدانية وكان يُعتبر من أصحاب العقلية العسكرية المتقدمة في الجنوب.
وقالت القسام في نعيها: إنه "قائد لواء رفح ورفيق درب القادة أبو شمالة والعطار"
أبو عبيدة
وأبو عبيدة (حذيفة سمير عبد الله الكحلوت) الناطق العسكري باسم كتائب عز الدين القسام من مواليد قطاع غزة، وينتمي لعائلة الكحلوت المعروفة وبرز منذ بداية انتفاضة الأقصى، ثم التحق مبكراً بكتائب القسام.
تولّى منصب قائد الإعلام العسكري، ثم أصبح الناطق الرسمي باسم كتائب القسام لأكثر من 20 عاماً، وكان صوته أحد أهم أدوات المقاومة في الحرب النفسية والإعلامية.
وكان الواجهة الإعلامية للقسام، وصاحب البيانات الشهيرة التي كانت تُبث خلال الحروب ولعب دوراً محورياً في إدارة المعركة الإعلامية خلال حرب "طوفان الأقصى"، وكان يُعرف بالهدوء والصلابة والانضباط، وحرص على عدم الظهور بوجهه طوال سنوات.
واستشهد في غارة إسرائيلية استهدفت شقة سكنية في حي الرمال بغزة في أغسطس 2025، وأعلنت كتائب القسام استشهاده رسمياً مع رفاق الدرب والجهاد، واستشهد برفقة زوجته وابنتيه ونجله وفق بيان عائلته.
ووصفته حماس بأنه قائد الإعلام العسكري وفي نعي عائلته وصفته بأنه شهيد الأمة الذي عاش حياة جهادية طويلة، وكان رمزاً لجيل كامل من المقاتلين، كما قال شقيقه أسيد الكحلوت في مقابلة مع الجزيرة.
رائد سعد
ورائد سعد رئيس قسم التصنيع العسكري في كتائب القسام أحد أهم مهندسي القوة العسكرية لحماس، ويُعد من أبرز القادة الفنيين في كتائب القسام وشغل منصب رئيس قسم التصنيع العسكري، وهو القسم المسؤول عن: تطوير الصواريخ، وتصنيع الطائرات المسيّرة، وتطوير العبوات، وبناء القدرات القتالية النوعية، ودوره في تطوير القوة العسكرية كان جزءاً من الدائرة الضيقة التي عملت على تطوير ترسانة القسام خلال العقد الأخير.
وشارك سعد في مشاريع تصنيع متقدمة، بعضها ظهر خلال حرب "طوفان الأقصى"، ويُعتبر من خلفاء القائد الشهيد عدنان الغول في مجال التصنيع العسكري.
واستشهد رائد سعد ضمن مجموعة من كبار القادة الذين استهدفهم الاحتلال في عملية واحدة وكان من القادة الذين يعملون بعيداً عن الأضواء ويُنظر إليه كأحد أهم العقول التقنية في المقاومة واستشهاده شكّل ضربة كبيرة لقدرات التصنيع العسكري.
حكم العيسى
يُعدّ الشهيد حكم العيسى، المعروف بلقب أبو عمر السوري، واحداً من أبرز القادة الذين تركوا بصمتهم العميقة في البنية العسكرية لكتائب عز الدين القسام، رغم أنه ظل بعيداً عن الأضواء طوال مسيرته، لم يظهر في الإعلام، ولم تُلتقط له صور في ساحات التدريب أو على المنابر، لكنه كان العقل الهادئ الذي أعاد رسم ملامح الجناح العسكري لحركة حماس، وصاغ عقيدته القتالية الحديثة بصبر ودقة.
وُلد العيسى عام 1967 في الكويت لعائلة فلسطينية من بلدة رامين قضاء طولكرم، وتلقى تعليمه في مدارس الكويت قبل أن يكمل دراسته الجامعية في الهند.
بدأ نشاطه في العمل الخيري الداعم للقضية الفلسطينية، ثم غادر الكويت بعد الغزو العراقي متجهاً إلى الأردن، ومنها انطلق في مسار طويل من التجارب الميدانية.
تنقّل بين أفغانستان والشيشان وسوريا ولبنان، واكتسب خبرة واسعة في قتال الجيوش النظامية وحرب العصابات، ما شكّل أساساً لرؤيته العسكرية لاحقاً.
عام 2005، استقر العيسى في قطاع غزة، وبدأ مرحلة جديدة داخل كتائب القسام، حيث لمع اسمه في الظل، محاطاً بسرية أمنية كبيرة. وبحسب مصادر متعددة، كان من المؤسسين الأوائل للأكاديمية العسكرية للقسام، التي خرّجت آلاف المقاتلين، بما فيهم قوات النخبة والوحدات الخاصة. كما تولى مسؤولية هيئة التدريب والدعم القتالي والإداري، وأسهم في بناء المواقع والمنشآت القتالية، ما أكسبه لقب "أبو المواقع" داخل الكتائب.
لم يكن العيسى قائداً ميدانياً فحسب، بل كان مهندساً للعقيدة القتالية الجديدة للقسام، ومساهماً رئيسياً في تحويلها من مجموعات مقاومة متفرقة إلى قوة شبه نظامية ذات بنية عسكرية متماسكة، وقد شارك في تأسيس المعاهد والكليات العسكرية والاستخبارية، ووضع اللبنات الأولى للخطة الدفاعية لقطاع غزة، وأسهم في هندسة العمليات الهجومية الكبرى.
في 1 يناير 2026، أعلنت كتائب القسام استشهاد العيسى في غارة إسرائيلية استهدفته مع زوجته وحفيده، وفي بيان مشترك، وصفه جيش الاحتلال والشاباك بأنه أحد أبرز العقول التي شاركت في التخطيط لهجوم طوفان الأقصى وإعادة بناء القدرات العسكرية لحماس خلال الحرب.
الباحث محمود العيلة دعا إلى توثيق تجربته، مؤكداً أن آلاف المقاتلين الذين شاركوا في مئات العمليات خلال العقدين الماضيين تدرّبوا في منشآت أسسها العيسى. وبرحيله، تفقد كتائب القسام أحد أكثر قادتها تأثيراً وهدوءاً، ورجلاً ترك بصمته في عمق بنيتها العسكرية دون أن يسعى إلى أي ظهور.
محمد السنوار رجل عاش في الظل
لم يكن محمد السنوار مجرد اسم يمرّ في سجلّ المقاومة الفلسطينية، بل كان نتاج بيئة فلسطينية مثقلة بالاحتلال، ومشبعة بروح المقاومة التي شكّلت وعيه منذ طفولته، تأثر مبكراً بشقيقه الأكبر يحيى السنوار، أحد أبرز قادة حركة حماس، الذي استشهد خلال عملية طوفان الأقصى. هذا التأثر لم يكن عاطفياً فقط، بل تحوّل إلى التزام عملي دفعه للانخراط في العمل الدعوي، ثم التنظيمي، منذ تأسيس حركة حماس عام 1987، حيث تبلورت شخصيته بين الإيمان والانضباط والعمل الميداني.
وفي عام 1991، التحق محمد السنوار بكتائب عز الدين القسام، ليبدأ رحلة طويلة في العمل العسكري السري، تدرّج بصمت في المواقع القيادية، مكتسباً خبرة ميدانية واسعة، حتى أصبح عضواً بارزاً في هيئة الأركان. وفي عام 2005، تولّى قيادة لواء خان يونس، إحدى أكثر الجبهات اشتعالاً.
خلال هذه المرحلة، نسج علاقة وثيقة مع القائد العام محمد الضيف ونائبه مروان عيسى، في شراكة عسكرية قامت على التخطيط الدقيق والعمل بعيداً عن الأضواء.
ورأت فيه المؤسسة الأمنية الإسرائيلية “العقل المدبر” لعمليات نوعية، خصوصاً تلك المرتبطة بالأنفاق المفخخة خلال انتفاضة الأقصى وحتى انسحاب الاحتلال من غزة عام 2005.
شكّلت عملية الوهم المتبدد عام 2006 نقطة تحول مفصلية في مسيرته، إذ شارك في التخطيط والتنفيذ لعملية أسر الجندي جلعاد شاليط.
وتُنسب إليه مسؤولية الإشراف على عملية الاحتجاز والتأمين، بالشراكة مع محمد الضيف. كما يُعد أحد مؤسسي وحدة الظل التي تولّت حماية شاليط طوال خمس سنوات، في واحدة من أكثر الملفات إحراجاً للأمن الإسرائيلي.
ومنذ انضمامه للقسام، عاش محمد السنوار حياة التخفي، مقتفياً أثر رفيقه محمد الضيف، تعرّض منزله للقصف عامي 2012 و2014، ونجا من محاولة اغتيال خلال حرب 2021. لم يظهر علناً قط، ما جعل المعلومات عنه شحيحة رغم اعتباره أحد أخطر قادة القسام.
وبعيداً عن الميدان، كان السنوار إنساناً بسيطاً، يتنقل بسيارات قديمة، ويستخدم أساليب تمويه دقيقة في حياته اليومية، عانى من إصابة في ظهره بعد محاولة اغتيال عام 2014، لكنه واصل عمله دون أن يشتكي، كان قليل الكلام، شديد التركيز، ويشرف شخصياً على أدق تفاصيل العمل الميداني، بما في ذلك زياراته المتكررة للحدود ومكوثه الطويل داخل الأنفاق.
وأشرف على عمليات بارزة، منها عملية ثقب في القلب عام 2005، والتحقيق في حادثة تسلل القوة الخاصة الإسرائيلية شرق خان يونس عام 2018. أتقن اللغة العبرية، وشارك في تأسيس شبكة اتصالات داخلية آمنة للقسام بعد حرب 2012، وأسهم في تطوير وحدات الإدارة والتنظيم وضبط الجودة في الصناعات العسكرية.
وكان من أبرز المخططين لعملية السابع من أكتوبر، ولعب دوراً محورياً في الخطة الدفاعية لغزة بعدها. وخلال الحرب، تولّى قيادة أركان كتائب القسام خلفاً لمحمد الضيف، في واحدة من أعقد مراحل المواجهة.
في 29 ديسمبر، أعلنت كتائب القسام استشهاده، مؤكدة دوره المركزي في مسيرة امتدت لعقود، من “الثأر المقدس” إلى “الوهم المتبدد”، ومن قيادة لواء خان يونس إلى قيادة الأركان.