لم يعد مسار عسكرة الدولة في عهد عبد الفتاح السيسي مقتصرًا على الاقتصاد أو الإعلام أو الإدارة المحلية، بل امتد إلى أكثر المؤسسات حساسية وتأثيرًا في تشكيل الوعي الجمعي المصري: الأزهر الشريف. خطوة تثير تساؤلات عميقة حول دوافع السلطة، وحدود تدخل العسكر في الدين، وعلاقة ذلك بإعادة تعريف الأمن القومي والهوية.
باحثون ومراقبون يرون أن ما يجري يتجاوز حدود “التطوير” أو “الإصلاح”، ليصل إلى محاولة تفريغ الدين من مضمونه، وتحويله إلى أداة في يد السلطة، على غرار ما حدث مع بقية مؤسسات الدولة التي أُخضعت لمنطق الانضباط العسكري والولاء السياسي.
تحجيم الأزهر وإزاحة العلماء
يوصف المشهد – بحسب باحثين مصريين – بأنه “عبثي وخطير”، إذ يجري إبعاد الأزهر عن دوره التاريخي باعتباره أحد أهم مراكز الحفاظ على الهوية الإسلامية، ورافدًا من روافد القوة الناعمة المصرية في العالم الإسلامي.
ويؤكد هؤلاء أن السلوك الرسمي لم يقتصر على تجاوز مؤسسة الأزهر، بل وصل إلى امتهان علمائه، وإذلال حملة الدكتوراه في العلوم الشرعية، وإضعاف المرجعية الدينية المستقلة، في مقابل فرض “مرجعية سياسية” يكون فيها الحكم هو الفيصل في الدين والفتوى.
ويشيرون إلى أن هذا المسار يتسق مع اختيار السلطة لما يُعرف بـ«مشايخ السلطان»، ودعم رموز دينية بعينها، مقابل تغييب شيخ الأزهر أو تقليص حضوره، في ظل بيئة تُترك فيها مظاهر التدين الشكلي، بينما يُقصى العلماء الربانيون، ويُزج ببعضهم في السجون، أو يُرهب آخرون بقبضة أمنية قاسية.
الدين في قبضة العسكر
وتثير محاولات ربط العلوم الشرعية بمؤسسات عسكرية، أو إخضاع الأزهر لرؤية أمنية، تساؤلات جوهرية ما علاقة الأكاديميات العسكرية بالفقه وأصول الدين؟ ومن يدير العلوم العسكرية وخطط الحرب إذا شُغلت تلك المؤسسات بـ“تأديب” العلماء؟ وهل تسعى السلطة إلى إنتاج دين جديد مُفصّل سياسيًا؟.
ويرى منتقدو هذا التوجه أن السلطة، بعد إخفاقها في ملفات الاقتصاد والسياسة، تحاول تعويض الفشل بالسيطرة على الوعي، عبر إعادة تشكيل الدين والتعليم، بما يضمن الطاعة، ويُفرغ المفاهيم الكبرى كالجهاد والعدل والهوية من مضمونها.
التعليم.. ساحة إعادة الهندسة
منذ عام 2018، شهدت منظومة التعليم المصرية تحولات جذرية، في إطار ما وصفته الحكومة بـ“التطوير”، بينما رأت المعارضة أنها عملية إعادة هندسة فكرية واسعة تمس نحو 32 مليون طالب.
وشملت هذه التحولات تعديل مناهج الدين والتاريخ وحذف أو تقليص آيات قرآنية وأحاديث نبوية وإعادة توصيف الفتوحات الإسلامية بوصفها “غزوًا” واستبدال نصوص دينية بمادة “القيم واحترام الآخر”،
كما جرى حذف قصص شكلت الوجدان الوطني لعقود، مثل “واإسلاماه” و“صلاح الدين الأيوبي” و“عقبة بن نافع”، بدعوى محاربة التطرف.
إشادة خارجية ومخاوف داخلية
ورغم نفي الحكومة خضوعها لضغوط خارجية، حظيت هذه التغييرات بإشادات إسرائيلية وغربية واضحة. فقد أثنى معهد أبحاث إسرائيلي على حذف نصوص تتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي، وتقليل التركيز على مفهوم الجهاد، وتعزيز خطاب “السلام الدائم”.
كما رحبت تقارير أمريكية بتعميم مادة “القيم واحترام الآخر”، وربطت جودة المناهج باستمرار المساعدات، ما عزز مخاوف معارضين من أن تكون الهوية الدينية والثقافية المصرية ثمنًا سياسيًا واقتصاديًا.
خلاصة المشهد
يرى محللون أن ما يحدث ليس إصلاحًا، بل إعادة صياغة شاملة للدولة والإنسان، تقوم على عسكرة المؤسسات وتحييد الأزهر وتدجين الدين وتفريغ التعليم من روافع الهوية في سياق دولة تقلص دورها الإقليمي، وتآكل أمنها القومي، وتخضع قرارها لتوازنات خارجية، يصبح الدين آخر القلاع التي تسعى السلطة لإخضاعها، حتى لا يبقى في المجال العام أي صوت مستقل، أو مرجعية خارج منطق الحكم العسكري.