عام جديد من القهر والفقر والضياع .. مصر تدخل عامًا آخر تحت حكم الخوف

- ‎فيتقارير

انقضى عام 2025، مثقلًا بحصاد بالغ القسوة على المصريين، حيث تداخل الخوف مع الفقر، والقمع مع الغلاء، والفساد مع انسداد الأفق، في مشهد يعكس بوضوح ملامح سنوات الحكم في عهد عبد الفتاح السيسي، التي باتت عنوانًا للأزمات المتراكمة والانهيارات الممتدة.

لم يكن الخوف في 2025 شعورًا عابرًا، بل حالة عامة طوقت حياة أكثر من 108 ملايين مصري، خوف من القبضة الأمنية الغليظة، ومن الاعتقال والحبس بلا محاكمة، ومن تغوّل البلطجة وجرائم العنف، ومن الموت اليومي على الطرق المتهالكة، أو في القطارات المتهالكة، أو عبر مراكب الهجرة غير الشرعية، فضلًا عن الخوف من فقدان العمل، وتآكل الدخل، والانزلاق إلى هوة الفقر والجوع.

دولة الخوف.. حين يصبح الأمن تهديدًا

شهد العام استمرارًا واسعًا لحملات الاعتقال، شملت نشطاء ومعارضين، وامتدت إلى ذوي المعتقلين، خصوصًا النساء، في محاولة لكسر أي صوت معارض أو حتى ناقد للأوضاع الاقتصادية. وبحسب تقارير حقوقية، لا يزال أكثر من 60 ألف معتقل يقبعون في السجون في ظروف قاسية، مع استخدام الحبس الاحتياطي كأداة للعقاب السياسي، وتجديد الحبس دون محاكمة.

ووثقت منظمات حقوقية وصول عدد النساء المعتقلات إلى نحو ألف سيدة وفتاة، إلى جانب وفاة عشرات المحتجزين، بينهم 38 معتقلًا سياسيًا قضوا نتيجة الإهمال الطبي داخل السجون، في مؤشر على انهيار منظومة العدالة وغياب أدنى معايير حقوق الإنسان.

انفلات أمني وجرائم تهز المجتمع

في المقابل، فشل النظام في توفير الأمن الحقيقي للمواطنين، حيث شهد 2025 تصاعدًا لافتًا في جرائم القتل والسرقة والعنف الجنسي. وسجلت تقارير حقوقية مئات جرائم القتل والشروع فيه ضد النساء خلال نصف عام فقط، إلى جانب وقائع صادمة هزت الرأي العام، كشفت عن عمق التفكك الاجتماعي وتراجع سيادة القانون.

ولم تخلُ الصحف من أخبار السرقات بالإكراه، والبلطجة، وجرائم النصب الإلكتروني، فضلًا عن وقائع اغتصاب وتحـرش، بينها جرائم طالت أطفالًا داخل مؤسسات تعليمية، ما يعكس أزمة أخلاقية وأمنية متفاقمة.

أما الطرق، فقد تحولت إلى ساحات موت مفتوحة، إذ أودت الحوادث المرورية بحياة نحو 3 آلاف شخص خلال العام، في ظل بنية تحتية مغشوشة، ومشروعات تشرف عليها جهات سيادية دون رقابة أو محاسبة.

الجوع والفقر.. ثمن السياسات الفاشلة

رغم الترويج الرسمي لتراجع معدلات التضخم، فإن الواقع المعيشي كشف عكس ذلك، مع استمرار رفع الدعم، وزيادة أسعار الوقود، وعدم التزام القطاع الخاص بالحد الأدنى للأجور، ما فاقم معاناة ملايين الأسر.

وارتفعت أسعار السلع الغذائية الأساسية بنسب كبيرة، بينما بلغ معدل الفقر قرابة 34%، في وقت واصلت فيه الدولة استنزاف مواردها لسداد خدمة دين خارجي تجاوز 161 مليار دولار، ما حرم قطاعات الصحة والتعليم والخدمات من أي تحسن حقيقي.

في القطاع الصحي، واجه المصريون أزمة خانقة مع ارتفاع أسعار الأدوية بنسبة تراكمية وصلت إلى 300% منذ 2018، ونقص حاد في المستلزمات الطبية بالمستشفيات الحكومية، ووفاة مرضى بسبب غياب أدوية منقذة للحياة، في مشهد يعكس تخلي الدولة عن أبسط التزاماتها تجاه مواطنيها.

التهجير القسري… حين يفقد الفقراء بيوتهم

مثّل 2025 عامًا بالغ القسوة على ملايين المستأجرين، بعد إقرار تعديلات قانون الإيجار القديم، التي تهدد بتشريد نحو 1.5 مليون أسرة خلال سنوات قليلة. تزامن ذلك مع موجات واسعة من الإزالات والتهجير القسري في مناطق عدة، تحت لافتة «التطوير»، دون توفير بدائل عادلة أو تعويضات منصفة.

وتحولت مشاريع الاستثمار العقاري، بالشراكة مع أطراف أجنبية، إلى كابوس للأهالي، الذين واجهوا القمع الأمني والاعتقال لمجرد تمسكهم بحقهم في السكن.

بيع الأصول.. تفريط تحت ضغط الإفلاس

واصل النظام في 2025 سياسة التفريط في أصول الدولة، عبر طرح عشرات الشركات والبنوك للبيع، وتصفية هيئات اقتصادية، ومنح أصول سيادية وأراضٍ استراتيجية لشركات أجنبية، في صفقات أثارت جدلًا واسعًا حول السيادة والمصلحة الوطنية.

وباتت ممتلكات الدولة تُدار بعقلية «البيع لتسكين الأزمة»، دون رؤية تنموية حقيقية، ما عمّق مخاوف المعارضين من رهن مستقبل الأجيال القادمة.

انسداد سياسي ومخاطر إقليمية

سياسيًا، كشفت الانتخابات البرلمانية عن صراع الأجهزة السيادية، وتزوير واسع، وشراء أصوات الفقراء، وسط أحكام قضائية بإلغاء نتائج دوائر عديدة، ما عزز الشعور بانهيار الحياة السياسية بالكامل.

وتزامن ذلك مع محيط إقليمي مضطرب، من غزة إلى السودان وليبيا، مرورًا بأزمة مياه النيل، في ظل عجز واضح للنظام عن حماية الأمن القومي أو إدارة الملفات الاستراتيجية بكفاءة.

خلاصة عام ثقيل

يختتم 2025 فصوله كأحد أسوأ الأعوام في ذاكرة المصريين، عامٌ تَكرّس فيه الفقر والخوف، واتسعت فيه الفجوة بين السلطة والشعب، واستُبدلت فيه أحلام الاستقرار بالبحث عن النجاة، سواء عبر الهجرة أو الصمت القسري.

عامٌ يؤكد أن الأزمة في مصر لم تعد عابرة، بل بنيوية، وأن استمرار السياسات ذاتها لا يبشر إلا بمزيد من الانهيار، ما لم يحدث تغيير حقيقي يعيد للإنسان المصري كرامته، وللوطن بوصلته المفقودة.