في مشهد يعكس بوضوح طبيعة الدولة التي تشكّلت بعد انقلاب يوليو 2013، كشفت نتائج القبول الأخيرة في أكاديمية الشرطة المصرية للعام الدراسي 2025–2026 عن حلقة جديدة من حلقات توريث السلطة والنفوذ، حيث حجز أبناء نواب البرلمان – بغرفتيه النواب والشيوخ – وأقاربهم، مقاعدهم داخل واحدة من أكثر المؤسسات حساسية في الدولة، بينما أُقصي عشرات الآلاف من المتقدمين بلا سند ولا “واسطة”.
وبحسب النتيجة المعتمدة من وزير الداخلية اللواء محمود توفيق، جرى اختيار 800 طالب فقط من بين 26 ألفاً و262 متقدماً من حملة الثانوية العامة، وهي أرقام تُظهر – نظرياً – صرامة شديدة في الانتقاء. غير أن ما جرى فعلياً، وفق مصادر برلمانية مطلعة، يكشف أن “الانتقاء” كان طبقياً وسياسياً بامتياز، لا علاقة له بشعارات “الأفضل والأصلح” التي يرددها رأس النظام.
أبناء النواب أولاً
مصدر في الأمانة العامة للبرلمان أكد أن أكاديمية الشرطة قبلت أوراق 19 طالباً من أبناء أعضاء مجلس النواب، وخمسة من أبناء أعضاء مجلس الشيوخ، إلى جانب أقاربهم من أبناء الأشقاء والعمومة، في سابقة تفضح حجم تغلغل النفوذ البرلماني – المصنوع أصلاً بالتزوير والرشاوى المليونية – داخل مؤسسات الدولة الأمنية.
ولم يتوقف الأمر عند القبول، بل وصل إلى حد إصدار تعليمات غير مكتوبة داخل البرلمان تطالب النواب بعدم تهنئة أبنائهم علناً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، خشية “إثارة البلبلة” وغضب آلاف الأسر التي رُفض أبناؤها رغم استيفائهم الشروط، في اعتراف ضمني بعدم نزاهة العملية برمتها.
أحزاب الجيش تحصد الغنيمة
قائمة المقبولين ضمّت أسماءً معروفة بانتمائها إلى أحزاب السلطة المصنوعة في مطابخ الأجهزة، وعلى رأسها حزب “مستقبل وطن” و”حماة الوطن” و”الشعب الجمهوري”، وهي أحزاب تشكّل العمود الفقري لبرلمان ما بعد الانقلاب.
من بين هؤلاء:
نجل النائب خالد عبد العظيم عبد المولى (مستقبل وطن – الشرقية).
نجل النائب أحمد السيد عبد القادر (حماة الوطن – كفر الشيخ).
حسام الدين، نجل اللواء عماد الدرجلي (مستقبل وطن – الجيزة).
محمد، نجل النائب أحمد عبد المنعم إسماعيل (مستقبل وطن – الشيوخ).
نجل النائب محمد جنيدي (الشعب الجمهوري – بني سويف).
علي، نجل اللواء أسامة عبد الفتاح، عضو لجنة الدفاع والأمن القومي.
كما شملت القائمة أبناء نواب في لجان “الدفاع والأمن القومي” نفسها،مثل نجل النائبة سحر القاضى ، عضو لجنة الدفاع والأمن القومى لمجلس النواب ، في تضارب فجّ للمصالح، حيث يشرّع الأب ويراقب، بينما يحصد الابن الامتياز.
“كشف الهيئة”… بوابة التوريث
رغم أن القبول في أكاديمية الشرطة يمر بسلسلة طويلة من الفحوص الطبية والنفسية والبدنية، إضافة إلى اختبارات القدرات والمناظرة النهائية، فإن ما يُعرف داخل الأوساط الأمنية بـ”كشف الهيئة” ظلّ البوابة الذهبية لعبور أبناء المتنفذين، حيث تلعب الوساطة دوراً حاسماً في تجاوز أي عوائق، حقيقية أو مُختلقة.
وفي هذا السياق، لا يبدو غريباً أن يزور عبد الفتاح السيسي مقر الأكاديمية في التجمع الخامس أكثر من مرة، ويشرف بنفسه على الاختبارات، متحدثاً عن “الانضباط” و”الاختيار الدقيق”، في وقت تُفرَغ فيه هذه الشعارات من مضمونها أمام سطوة المحسوبية.
امتيازات بلا مقابل
المفارقة أن كل هذه الامتيازات تُمنح مقابل مصروفات سنوية لا تتجاوز 13 ألف جنيه، بينما يحصل الطالب المقبول على حزمة كاملة من الامتيازات: رعاية صحية له ولأسرته، عضوية نوادي الشرطة، رحلات وسياحة، حج وعمرة، وفرص بعثات ودراسات عليا، في دولة تطالب مواطنيها العاديين بـ”شد الحزام” وتحمل “القرارات القاسية والمؤلمة”.
دولة تُدار بالعائلات
ما تكشفه هذه الوقائع ليس مجرد خلل إداري أو تجاوزات فردية، بل نموذجاً متكاملاً لدولة تُدار بمنطق الغنيمة، حيث يُكافأ نواب جاؤوا عبر انتخابات شكلية بتأمين مستقبل أبنائهم داخل الأجهزة السيادية، بينما يُغلق الباب في وجه أبناء الطبقات الفقيرة والمتوسطة، مهما بلغت كفاءتهم.
هكذا، يتحول البرلمان – الذي يفترض أنه سلطة رقابية وتشريعية – إلى جسر عبور للامتيازات، وتتحول أكاديمية الشرطة من مؤسسة وطنية إلى نادٍ مغلق لأبناء السلطة، في تجسيد صارخ لدولة الانقلاب التي لا تؤمن إلا بالولاء… ولا تعترف بالكفاءة إلا إذا جاءت ممهورة بتوقيع “الواسطة”.