في وقتٍ تتسابق فيه المراكز التجارية والمنصات الإلكترونية للإعلان عن تخفيضات “الجمعة البيضاء” التي تنتهي اليوم ٣٠ نوفمبر، صارت، غالبية الأسر المصرية بعيدة تماماً عن أجواء التسوق، بعدما دفعتها سياسات اقتصادية خانقة إلى الاكتفاء بوجبتين، بل وبوجبة واحدة في كثير من الأحيان، تحت وطأة ارتفاع أسعار الغذاء إلى عشرة أضعاف خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك السلع الأساسية كالبيض واللبن ومشتقاته.
فطبق البيض الذي كان يُشترى ببضعة جنيهات قبل سنوات، تجاوز اليوم 160 جنيهاً، فيما قفزت أسعار اللبن ومنتجاته إلى مستويات غير مسبوقة، ليجد ملايين المصريين أنفسهم عاجزين عن توفير الحد الأدنى من غذائهم اليومي، فضلاً عن القدرة على شراء أجهزة كهربائية أو إلكترونية مهما بلغت التخفيضات المعلنة.
تخفيضات في سوق بلا قوة شرائية
ورغم الحملات الدعائية الضخمة والعروض التي تتراوح بين 10% و70% على الملابس والمفروشات والأجهزة المنزلية، رصدت جولة “العربي الجديد” في أسواق القاهرة ومدن كبرى ضعفاً حاداً في الإقبال، خصوصاً من الطبقة المتوسطة والشرائح الفقيرة التي تشكل عماد الاستهلاك في مصر.
مديرو تسويق في سلاسل تجارية أكدوا أن التخفيضات الاستثنائية ليست إلا محاولة للخروج من ركود ممتد، وأن جزءاً كبيراً من العروض يطال المخزون الراكد أو المنتجات الأقل جودة أو “الموديلات القديمة”، بينما يظل الإقبال على السلع الجديدة محدوداً بسبب تآكل الدخول وتراجع القدرة الشرائية.
وفي بعض المراكز التجارية، فوجئ مستهلكون بأن منتجات المفروشات المخفضة أقل جودة ونسيجاً من المعتاد، ما دفع كثيرين إلى إعادة المشتريات بعد يومين فقط، وسط شكاوى من نقص السيولة لدى التجار أنفسهم.
الأسواق الشعبية… حضور خافت ومحاولات تصفية
في الأسواق الشعبية بالقاهرة، غاب الزحام المألوف، واقتصر المشهد على تجار جملة ومندوبين يبحثون عن صفقات محدودة الدفع نقداً. أما الخصومات، فتكاد تكون محصورة في المنتجات القديمة، في محاولة من التجار لتصريف المخزون وليس لتنشيط السوق.
ورغم أن التخفيضات أعادت قدراً محدوداً من الحركة إلى قطاع التجزئة، إلا أن المستهلكين ركزوا على السلع الأرخص والأبسط فقط، مع مراجعة دقيقة للأسعار قبل وبعد الخصم، لغياب الثقة في “العروض الوهمية” التي كثيراً ما واجهوها.
أعباء معيشية تطحن الأسر
تقول أميمة جمال، وهي سيدة خمسينية التقتها "العربي الجديد"، إنها ذهبت للسوق “بحثاً عن خصم حقيقي فقط”، فالأسعار لم تعد تُحتمل، والضرائب والكهرباء والمحروقات والنقل والإيجارات تسحق أي فرصة لشراء سلع غير ضرورية، حتى وإن بدت مخفضة.
ومع حلول موسم المدارس، يواجه الموظفون التزامات مالية ثقيلة، ويستعدون بعد أسابيع لأعباء رمضان والأعياد، ما يجعل التخفيضات الحالية غير كافية لتحريك طلب فعلي.
اللجنة الاقتصادية: الجنيه المتراجع هو المتهم الأول
خبراء الاقتصاد يرون أن كل مواسم التخفيضات محكومة بسقف واحد: سقوط الجنيه المتواصل أمام العملات الأجنبية، ما يرفع تكلفة الاستيراد والتصنيع المحلي على حد سواء، ويبدد السيولة لدى المواطنين، ويجعل الاقتراض أو التقسيط عبئاً لا قدرة لهم على تحمله.
ويشير الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني إلى أن “الجنيه المتهاوي يدفع المصريين إلى شراء الضروريات فقط، ويجعل الكماليات آخر ما يفكرون فيه مهما بدت العروض مغرية”.
تنفّس لا انتعاش
مسئولون بالغرف التجارية يؤكدون أن الجمعة البيضاء “فرصة تنفّس مؤقت للسوق” وليس بداية انتعاش، فالركود في القطاع غير النفطي مستمر للعام الخامس، ومؤشر PMI يواصل تسجيل انكماش شهري، فيما تظل القوة الشرائية للمواطنين في أدنى مستوياتها منذ سنوات.
ويشدد مسئول غرفة القاهرة على أن “أي حديث عن انتعاش يظل وهماً، طالما لم يتحسن الدخل الحقيقي، ولم تستقر أسعار السلع الأساسية والطاقة، ولم تتم حماية المستهلك من العروض التضليلية”.
خلاصة المشهد
بينما يتسابق التجار لترويج تخفيضات الجمعة البيضاء، يعيش ملايين المصريين تحت ضغط غلاء غير مسبوق، جعل القدرة على شراء الغذاء itself معركة يومية. وفي بلدٍ تنهار فيه قيمة العملة وتتزايد أعباء الحياة، تبدو مواسم الخصومات، مهما تضخمت دعايتها، بعيدة كل البعد عن هموم أغلب الناس الذين يواجهون مرارة العيش قبل التفكير في اقتناء سلعة مخفضة.