في خضم تصنيف أو بالأحرى "تجريم" الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وفريقه الإداري لجماعة الإخوان المسلمين، تابع مراقبون ما تقوله الدراسات العلمية للربط بين مصطلح "الإرهاب" والدين بشكل عام، لتكون خلاصة هذه الدراسات العلمية بل والغربية الأمريكية أن تحرك ترامب هو سياسي بالدرجة الأولى سواء كان تابعا فيه أم متبوعا.
وبحسب تقارير استقصائية فلا يوجد في تقارير مؤشر الإرهاب العالمي (Global Terrorism Index) أي ذكر مباشر لجماعة الإخوان المسلمين، لأن المؤشر عادة يركز على الجماعات المسلحة التي تنفذ هجمات إرهابية مثل: "داعش"، و"القاعدة"، و"بوكو حرام"، و"طالبان" وغيرها، أما جماعة الإخوان المسلمين، فهي تُناقش غالباً في سياقات سياسية أو أمنية، لكن ليس ضمن هذا المؤشر تحديداً.
فما قول إدارة البيت الأبيض عندما يعلم أن مصر في (2013) والإمارات في (2014) ثم السعودية في (2014) صنّفوا جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة "إرهابية"، إلا أن مؤشر الإرهاب العالمي (Global Terrorism Index) لم يدرجها ضمن الجماعات الإرهابية في تقاريره السنوية.
وعن لماذا لم تُدرج؟ لأن منهجية المؤشر أنه يعتمد على بيانات الهجمات الإرهابية الفعلية (عدد العمليات، والضحايا، والخسائر الاقتصادية).
وأن الإخوان المسلمين رغم تصنيف بعض الدول لها كمنظمة إرهابية، إلا أنها لم تُسجَّل كفاعل رئيسي في هجمات إرهابية مسلحة على المستوى الدولي خلال السنوات الماضية، وبالتالي لا تدخل في نطاق المؤشر.
ويلتزم المؤشر العالمي بالمعايير الإحصائية المتعلقة بالهجمات الإرهابية الموثقة عالمياً، وليس بالتصنيفات السياسية.
ويصدر "مؤشر الإرهاب العالمي" سنوياً عن معهد الاقتصاد والسلام (IEP)، ويقيس تأثير الإرهاب من حيث عدد الهجمات، الضحايا، والخسائر الاقتصادية، الجماعات التي تُذكر فيه عادة هي تلك التي تنفذ عمليات عنف مسلح واسعة النطاق.
ولم تدرج جماعة الإخوان المسلمين في المؤشر كمنظمة إرهابية، لكن هناك تقارير سياسية وإعلامية حديثة تتناول محاولات بعض الدول، خصوصاً الولايات المتحدة، والإمارات والانقلاب العسكري في مصر تصنيف بعض فروع الإخوان كمنظمات إرهابية.
واعتبر مراقبون أن قرار ترامب الأخير بمحاولة تصنيف جماعة الإخوان المسلمين لا علاقة له بمؤشر الإرهاب العالمي، بل هو خطوة سياسية وقانونية ضمن سياسة مكافحة "الإرهاب" الأميركية.
وهناك مراكز بحثية أطلقتها الإمارات تعد مؤشرات خاصة لقياس نفوذ الإخوان المسلمين سياسياً واقتصادياً وإعلامياً، والجديد كان وضع الجماعة قسرا في مؤشر أصدره مركز "تريندز للبحوث والاستشارات" الإماراتي عام 2024، لكنه ليس مؤشراً للإرهاب، بل لقياس النفوذ والتأثير.
و(مؤشر الإرهاب العالمي وغيره) هي تقارير إحصائية عامة عن الإرهاب، لكنها ليست بنفس الطابع الأكاديمي التحليلي.
وقال مراقبون: "الباحثون الأكاديميون مثل روبرت بيب، وسكوت أتران، ومارثا كرينشو، وجيسيكا ستيرن لم يصدر عنهم وصم مباشر لجماعة الإخوان المسلمين باعتبارها منظمة إرهابية، وتركزت أعمالهم على تحليل منطق العمليات الانتحارية والإرهاب كظاهرة عامة، وعلى دراسة الدوافع الاستراتيجية والاجتماعية والنفسية، وليس على تصنيف جماعات بعينها مثل الإخوان".
وسكوت أتران (Scott Atran)أنثروبولوجي درس دوافع الشباب للانضمام إلى جماعات مسلحة ولم يذكر الإخوان كجماعة إرهابية، بل يركز على الحركات الجهادية المسلحة مثل القاعدة وداعش.
أما مارثا كرينشو (Martha Crenshaw) ، فهي من أوائل من درسوا الإرهاب كظاهرة سياسية منذ السبعينات وأعمالها مثل Terrorism in Context تقدم إطارًا نظريًا لفهم الإرهاب، لكنها لا تصف الإخوان بالإرهاب.
وكتبت جيسيكا ستيرن (Jessica Stern)، عن الإرهاب الديني في كتاب Terror in the Name of GodK وركزت على الجماعات المسلحة التي تستخدم الدين كأداة للتعبئة، لكنها لم تصف الإخوان بالإرهاب.
ويعتبر هؤلاء الباحثون المتخصصون أن الإخوان المسلمون جماعة اجتماعية سياسية وليست مسلحة.
العمليات الانتحارية كنموذج
الدراسة الأكاديمية التي أجراها البروفيسور روبرت بيب (Robert Pape) بعنوان "يموت لينتصر: منطق العمليات الانتحارية الإرهابية"، صدرت عام 2005.
وشملت قاعدة البيانات التي جمعها الفريق 315 عملية انتحارية بين 1980 و2003 وتوصل إلى نتيجة أن هناك صلة ضعيفة جدًا بين العمليات الانتحارية والأصولية الإسلامية أو أي دين آخر.
واشار إلى أن النمور التاميل في سريلانكا جماعة علمانية–ماركسية كانت الأكثر استخدامًا للعمليات الانتحارية عالميًا، وهي التي ابتكرت أسلوب الأحزمة الناسفة، وانتقل لاحقًا إلى جماعات أخرى مثل الفلسطينيين.
وأوضح أن الاحتلال الأجنبي كان الدافع عند 95% من العمليات الانتحارية استهدفت إجبار "ديمقراطيات حديثة" على سحب قواتها من أراضٍ يعتبرها المنفذون وطنهم مثل: لبنان، وسريلانكا، والشيشان، وكشمير، والضفة الغربية.
وتوصل إلى أن العمليات الانتحارية ليست مجرد رغبة في الموت أو التدمير، بل وسيلة لتحقيق هدف سياسي محدد: إرغام قوة عظمى على الانسحاب ولذلك يحظى منفذوها بتأييد في مجتمعاتهم، حيث يُنظر إليهم كمدافعين عن الوطن. بحسب الباحث.
كما توصل الباحث إلى أن استخدام القوة العسكرية لتغيير أنظمة الحكم في بلدان إسلامية يزيد من خطر العمليات الانتحارية بدلًا من تقليله.
واقترح الباحث أن القضاء على أكبر عدد ممكن من الانتحاريين، مع إنهاء الوجود العسكري الأمريكي والإسرائيلي في البلدان الإسلامية، ودعا إلى
تبني سياسة جديدة للطاقة تقلل الاعتماد على النفط العربي، لتقليل دوافع التدخل العسكري في الشرق الأوسط.
وأجرى "بيب" بحثه الأكاديمي معتمدا على قاعدة بيانات مفصلة لكل العمليات الانتحارية من 1980–2003، وركّز على تحليل الدوافع الاستراتيجية فوجد أنها تتعلق ب(الاحتلال، وإخراج القوات الأجنبية) أكثر من العوامل الدينية ووجد أن الدين يُستخدم كأداة للتجنيد وليس سببًا رئيسيًا.
وتوصل بيب إلى تراجع العمليات الانتحارية عالميًا منذ 2015، خاصة مع تغير سياسات مكافحة "الإرهاب" الأمريكية، موضحا أن الاحتلال والصراع الجيوسياسي ما زالا العامل الأساسي وراء هذه العمليات، وليس الدين بذاته.
ورأى أن المجتمعات المحلية ما زالت تنظر إلى منفذي هذه العمليات كمدافعين عن أوطانهم، وهو ما يعزز التجنيد، في أفريقيا والشرق الأوسط اللذين يظلان بؤرًا رئيسية، مع تحولات مرتبطة بالحروب الأهلية والعدوان على غزة وسوريا.
واتفق مع "روبرت بيب" مراكز بحثية حديثة مثل (شاف، آتون، المركز الديمقراطي العربي) التي تابعت الظاهرة في سياق داعش والقاعدة وتوضح أن العمليات الانتحارية ليست مرتبطة بدين بعينه، بل هي تكتيك استراتيجي يتغير مع الظروف.
وعلى غرار مؤشر Global Terrorism Index توجد تقارير CPOST، هي إحصاءات سنوية عن عدد الهجمات والضحايا وتوزيعها الجغرافي وتعطي صورة كمية عن الاتجاهات (زيادة أو انخفاض)، لكنها لا تدخل في تحليل فلسفة أو منطق العمليات الانتحارية بنفس العمق.