على عكس الرواية الأمنية التي روجت لها الآلة الإعلامية الجبارة للنظام العسكري في مصر إبان الانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013م بالزعم أن إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما كانت تدعم حكم الرئيس محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين وما راج من شائعات حول ضرب الجنرال عبدالفتاح السيسي للأسطول السادس الأمريكي في البحر المتوسط لأن إدارة أوباما كانت تضغط لإعادة الرئيس محمد مرسي للحكم من جديد؛ خرجت وزارة الخارجية بحكومة الانقلاب باعتراف صريح بأن الإدارة الأمريكية دعمت ما أسمتها بالثورة واختارت الموقف الصحيح من التاريخ.
ونشر المتحدث باسم وزارة الخارجية بحكومة الانقلاب، أحمد أبو زيد، مقالًا بالإنجليزية على مدونة الوزارة، الأربعاء 26 يوليو 2023م، اتهم فيه مجلة «فورين بوليسي» بأنها رفضت مرارًا نشره، بـ«حجج واهية»، كرد على مقال سبق ونشرته في 2 يوليو الجاري، مدعيا أن فريق تحرير المجلة وسياستها بعيدة عمّا تكفله المهنية وعدم التحيز من حق الرد.
في مقاله حاول أبو زيد الرد على المقال الذي نشرته المجلة الأمريكية للباحث في معهد بروكينجز، شادي حميد، أستاذ الدراسات الإسلامية بمعهد فولر في أمريكا، بعنوان «دروس للربيع العربي القادم.. بعد 10 سنين على الانقلاب في مصر، أمريكا يجب أن تتعلم أن الاستقرار الاستبدادي مجرد وهم»، حيث طرح شادي حميد فيه تحليلًا عن دعم إدارة باراك أوباما الانقلاب العسكري على أول رئيس مدني منتخب، ومنحها ضوء أخضر للجيش للإطاحة به، ثم عدم تسميته انقلاب بصورة رسمية، ما كان ليمنع استمرار المعونة العسكرية اﻷمريكية لمصر.
في رده على مقال حميد ادعى أبو زيد أن قراءة حميد «مشوهة للأحداث التاريخية»، مؤكدا الدعم الأمريكي لانقلاب الجيش على المسار الديمقراطي والرئيس المنتخب؛ يقول أبو زيد: «بشركاؤنا وقفوا في الجانب الصحيح من التاريخ عبر دعم الإرادة الشعبية لملايين المصريين»، كما اعتبر أنه كان بإمكان أمريكا فعل المزيد لدعم مصر، كشريك وحليف استراتيجي يظل دعمه أمرًا حاسمًا لمساعي ضمان مستقبل أفضل لجميع المصريين».
وفي تحليله اتهم حميد إدارة الرئيس باراك أوباما بالتورط في انقلاب الجيش على الرئيس الإسلامي محمد مرسي؛ ويرجح الباحث الأمريكي أن واشنطن لم تتفاجأ بانقلاب الجيش على أول رئيس مدني منتخب بتاريخ مصر، وأنها لم تمانع الإطاحة بمرسي ونظامه المنتخب ديمقراطيا وإنهاء تجربة الإسلاميين في الحكم.
حميد الذي يعمل أيضا أستاذ الدراسات الإسلامية في "فولر سيمنري" يصل إلى خلاصة مفادها أنه «لا يمكن الاعتماد على وعود أمريكا وتشدقها بالديمقراطية». ومقال حميد هو جزء من كتاب صدر له العام الماضي (2022) بعنوان "مشكلة الديمقراطية: أمريكا، الشرق الأوسط وصعود وسقوط فكرة". يؤكد فيه أن الربيع العربي انتهى في 3 يوليو 2013، حيث أطاح انقلاب عسكري بالحكومة المنتخبة ديمقراطيا للرئيس محمد مرسي. وبعبارات أخرى ـ حسب حميد ــ «كان المسؤولون الأمريكيون في الأيام التي قادت للانقلاب، يعرفون تماما ما يجري في مصر وكانوا في وضع يمكنهم من منع السيسي لو أردوا لكنهم لم يفعلوا»!.
ويعزو حميد أسباب تخلي واشنطن عن دعم الديمقراطية في مصر إلى عدة أسباب؛ أولها الموقف الرافض للنظم العربية للأحزاب الإسلامية وأن دعم الديمقراطية يعني سيطرة الإسلاميين في أي انتخابات حرة.
السبب الثاني ــ حسب حميد ــ هو الاتهامات التي لاحقت الرئيس الأمريكي من جانب الجمهوريين بوصفه مسلما متخفيا بالأخذ في الاعتبار أن والده (حسين أوباما) مسلم. فانفتاح أوباما على الإسلاميين في أعقاب ثورة يناير 2011م أكثر من أسلافه اعتبر بنظر الجمهوريين تهمة، ويستشهد حميد على ذلك بما قاله مسئول بارز في البيت الأبيض: «لا تنس أنه في البداية اتهم بأنه متعاطف مع الإسلاميين. وكان عليه مقاومة المفهوم وحاول الإفراط بالتعويض عنه". بمعنى أن تخلي أوباما عن الديمقراطية في مصر كان نوعا من أنواع الدفاع عن النفس ضد التهم التي لاحقته بالتعاطف مع الإسلاميين.
السبب الثالث، والأهم على الإطلاق هو الموقف العدائي للإخوان داخل مؤسسات الحكم الأمريكية؛ وكان مسؤولو وزارة الدفاع مثل الجنرال جيمس ماتيس الذي كان قائدا للقيادة المركزية في معظم فترة مرسي يرون في الديمقراطية والترويج لها انحرافا عن الهدف الرئيس وهو مكافحة الإرهاب. وكان ماتيس يرى أنه لا فرق بين الإخوان وتنظيم القاعدة وحسب وصفه فإنهما ـ الإخوان والقاعدة ـ «يسبحان في نفس البحر»! وقد دافع ماتيس عن الانقلاب بل أبدى إعجابه الشديد به حين قال: «ما رأيناه بالأساس هي عملية محاكمة شعبية وبأكبر جمهور في التاريخ الحديث خرجوا إلى الشوارع وقالوا لقد مللنا من هذا الرجل. وبعدها رأينا الجيش يخرج ويدعم المحاكمة الشعبية». وهذه السردية هي بالضبط التي يتمسك بها السيسي وعصابة الجنرالات من حوله حتى اليوم بوصف ما جرى عملية إنقاذ للبلد من تنظيم إرهابي!
وتبنى مايكل فلين الذي كان مديرا للمخابرات الأمريكية السي آي إيه وقت الانقلاب والذي أصبح لاحقا مستشارا للأمن القومي في إدارة دونالد ترامب، نفس رؤية ماتيس حول الإخوان ومرسى؛ وجاءت أكبر إشارة تحمل ضوءا أخضر بالانقلاب من وزير الدفاع الأمريكي حينها تشاك هيجل الذي صرًّح بأنه كان يتفق مع مزاعم السعوديين والإماراتيين والإسرائيليين بأن الإخوان المسلمين هم "خطر" يجب مواجهته. وكان أول ضوء أخصر غير مقصود (حسب حميد) قد جاء من هيجل، فقبل أيام من الانقلاب، قال هيجل للسيسي: "لن أقول لك كيف ستدير بلدك، وعليك حماية أمنك وحماية بلدك".!
وحتى داخل الخارجية الأمريكية والتي يفترض ــ حسب شادي حميد ــ أنها المؤسسة الأمريكية الأكثر حرصا على تسويق ورعاية الديمقراطية والدفاع عنها كان جون كيرى مختلفا؛ وقد أخبر مستشار بارز لكيري الكاتب أن الوزير "شعر أنه [الانقلاب] لم يكن نتيجة سيئة لنا ومن ناحية مصالح الأمن القومي، ولم يكن معجبا بالإخوان المسلمين ولا مرسي". وقال مسؤول آخر في الخارجية وبشكل أوضح: "كره كيري الإسلاميين، كرههم. عازيا كره كيري للإخوان والإسلاميين إلى علاقته الوثيقة على مدار عقود بالقادة والزعماء العرب؛ فقد كان كيري ـ حسب المسئول الأمريكي البارز ــ يحب الديكتاتوريين، وهو يشبه بايدن، وكل هؤلاء الرجال من جيل يؤمن بالتعاون مع الرجال الأقوياء وهذا كل ما عرفوه في الشرق الأوسط". وفي حوار مع كيركباتريك اعترف كيري أن مرسي أصبح "مطبوخا" وأن الجيش يحضر نفسه للتدخل، ومنذ بداية مارس 2013، وذلك بعدما التقى السيسي، وزير الدفاع ولأول مرة. وبعد اللقاء حذرت باترسون البيت الأبيض أن "الانقلاب سيقع على الأرجح في أشهر قليلة".