في إجراء من شأنه أن يسحق الشريحة الدنيا في الطبقة المتوسطة ويعصف تماما بما تبقى من الطبقة الفقيرة؛ قررت حكومة الانقلاب البدء في رفع أسعار سلع التموين المدعومة على بطاقات التموين التي يستفيد منها نحو 72 مليون مصري بداية من الإثنين غرة مايو 2023م.
وكان وزير التموين بحكومة الانقلاب علي المصيلحي قد أعلن السبت 29 إبريل 2023م عن رفع أسعار السلع الأساسية على بطاقات الدعم التموينية بصورة شهرية، اعتباراً من مايو الإثنين غرة مايو 2023م، بدعوى ارتفاع التكلفة الفعلية لهذه السلع، وضمان وصولها إلى المواطنين، مشيراً إلى زيادة السعر المحدد لسلعتين أساسيتين في المتوسط مع بداية كل شهر، على أساس التكلفة الحقيقية. وزعم المصيلحي، في مؤتمر صحفي بمقر الوزارة ، إنّ "زيادة أسعار السلع التموينية سيصب في صالح المواطنين، من خلال إتاحة السلع الأساسية كافة على البطاقات من دون حدوث أزمات"، مدعياً أنّ "وجود فارق كبير بين سعر السلع المدعومة على بطاقات التموين، وبين تكلفتها الفعلية، سيؤدي إلى سوء التعامل معها، وعدم وصولها إلى مستحقيها". وأوضح الوزير أن "الزيادة ستكون تدريجية خلال الأشهر المقبلة، مع طرح أرز مستورد من الهند بسعر 20 جنيهاً للكيلوجرام، بعد أن ظلت الوزارة تطرح الأرز على بطاقات التموين بسعر 10.5 جنيهات للكيلوجرام طوال الفترة الماضية".
الغلاء الجديد على أسعار سلع التموين يتفق مع تصريحات سابقة لوزير التموين في نوفمبر 2022 بأن الحكومة قررت تثبيت أسعار أسعار السلع الأساسية التي توفرها بالبطاقات التموينية، حتى نهاية ديسمبر 2022. وكان من المقرر رفع أسعار سلع التموين على بطاقات الدعم بداية من يناير 2023م وفقا لمنشور أسعار تسلمه بقالو التموين صباح الخميس 22 ديسمبر 2022 بحسب موقع "مدى مصر". لكن جرى تأجيل القرار بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية وتآكل قيمة الجنيه بنحو 50% عما كان عليه في مارس 2022م بناء على توصية أمنية رفيعة المستوى.
أربع زيادات بأسعار التموين في "2022"
وشهدت سنة 2022 رفع أسعار سلع التموين أربع مرات؛ آخرها في سبتمبر حيث قررت وزارة التموين الخميس (29 سبتمبر 2022م) برفع أسعار "8" سلع أساسية على بطاقات التموين اعتبارا من السبت غرة أكتوبر 2022م، وحسب قرار الوزارة فقد تقرر رفع أسعار زيت الطعام على بطاقات التموين المدعومة من 23 إلى 25 جنيهاً للعبوة (0.8 لتر)، والسمن الصناعي من 24 إلى 30 جنيهاً للعبوة، والعدس من 11 إلى 12 جنيهاً للكيلو، وصلصة الطعام من 4.75 إلى 6 جنيهات للعبوة. كذلك ارتفع سعر عبوة الخل من 4.25 إلى 5 جنيهات، وعبوة الجبن (0.25 كيلو) من 7 إلى 7.5 جنيهات، وعبوة الجبن (0.50 كيلو) من 13 إلى 14 جنيهاً، ومسحوق الغسيل من 18 إلى 20 جنيهاً للعبوة، وصابون اليد من 5.5 إلى 6.5 جنيهات للقطعة.
وفي غرة يناير ومارس "2022" شهدت أسعار سلع التموين ارتفاعين لسبع سلع تموينية. كما رفعت أسعار 25 سلعة على بطاقات التموين من أصل 32 سلعة متاحة بنسب بين 5 إلى 15% في إبريل الماضي 2022م. بهذه الزيادات الأربعة في سنة 2022م تكون أسعار السلع التموينية قد ارتفعت بنسبة 50% عما كانت عليه في "2021". مع ثبات مخصصات الدعم للأفراد عند 50 جنيهاً لأول 4 أفراد مقيدين على البطاقة، و25 جنيهاً لما زاد عن ذلك.
تآكل قيمة الدعم
قبل اغتصاب الجنرال عبدالفتاح السيسي للسلطة بانقلاب عسكري في يوليو 2013م، كان المواطن المصري المسجل في منظومة الدعم، يحصل على دعم عيني عبارة عن (1.5 كجم زيت + 2 كجم أرز + 2 كجم سكر) في مقابل عشرة جنيهات فقط؛ حيث كان سعر عبوة الزيت (1 كجم) ثلاثة جنيهات، وسعر(1 كجم) من الأرز (1.5) جنيها، وسعر (1 كجم) من السكر جنيها وربع الجنيه. هذا بخلاف الخبز المدعوم ؛ حين شرع وزير التموين الأسبق الدكتور باسم عودة الشهير بوزير الغلابة في تطبيق منظومة الخبز الجديدة في يناير 2013م بربط نصيب المواطن من الخبز على بطاقة التموين بما يسمى بفارق نقاط الخبز والتي تسمح للمواطن إما صرف الخبز(5 أرغفة وزن 130 جراما كل يوم) أو صرف الدقيق أو صرف سلع بديلة للخبز أو بما تبقى له من حقه في الخبز المدعوم. وتم البدء بتطبيق المنظومة بدءا من محافظة بورسعيد لتقييمها ودراستها جيدا وتلافي ما يظهر بها من عيوب قبل تعميمها على باقي محافظات الجمهورية لاحقا.
وحتى ندرك الفارق الضخم في تآكل قيمة الدعم اليوم في إبريل 2023م عما كانت عليه قبل انقلاب يوليو 2013؛ فإن الفرد في بطاقة التموين إذا أراد أن يحصل على نفس الكمية يتعين عليه أن يدفع حاليا نحو 116 جنيها بأسعار التموين(60 جنيها ثمن الزيت + 28 جينها ثمن الأرز + 28 جنيها ثمن السكر)؛ فإذا كان مخصصا له "50" جنيها فسيدفع 66 جينها للحصول على ذات الكمية. وإذا كان مخصصا له "25" جنيها فسيدفع "91" جنيها. أما إذا كان تم حذفه من منظومة الدعم فإن المسكين سوف يشتري ذات الكمية بالسعر الحر. وبناء على الأسعار الجديدة فإن نفس الكمية سوف يحصل عليها المواطن بد دفع نحو 150 جنيها وليس 10 جنيهات فقط قبل الانقلاب.
سيناريوهات محتملة
تآكل قيمة الدعم في ظل تواصل الغلاء وارتفاع معدلات التضخم سوف يفضي تلقائيا إلى ارتفاع معدلات الفقر وتآكل الطبقة الوسطى ، وكانت تقديرات البنك الدولي تصل بنسبة الفقراء في مصر قبل كورونا والغزو الروسي لأوكرانيا إلى نحو 60% وهي النسبة التي تزايدت بشدة مؤخرا لا سيما بعدما فقد الجنيه المصري نحو 50% من قيمته في 2022م. ارتفاع معدلات الفقر و البطالة سوف يؤدي تلقائيا إلى تزايد معدلات الجريمة، وبحسب مؤشر الجريمة العالمي "نامبيو" سنة 2018، فإن هناك نحو 92 ألف بلطجي في مصر، كما ارتفع عدد المسجلين خطر بنسبة 55% حسب إحصائية رسمية صادرة عن وزارة الداخلية سنة 2017م. بينما تذهب تقديرات أخرى إلى أن عدد البلطجية في مصر وأرباب السوابق في مصر يصل إلى نحو 500 ألف بلطجي في سنة 2018م. ويتفق الخبراء والمحللون على أن زيادة معدلات الفقر والغلاء وتفشي البطالة سوف تدفع بقطاعات واسعة إلى عالم الجريمة؛ بما يهدد تماسك المجتمع ويشيع الفوضى بين الناس ويضعف قبضة السلطة بشكل تدريجي على البلاد.
ومن النتائج المحتملة كذلك حدوث انفجار اجتماعي ضخم رفضا للسياسات القائمة والإفقار الممنهج؛ فتزايد معدلات الفقر والحرمان والجوع سوف تضغط على الطبقات الفقيرة التي تتزايد أعدادها بشدة؛ وفي ظل هذه الأوضاع المتدهور فإن حجم الضغوط قد تصل إلى مرحلة الانفجار وهو انفجار فجائي وتلقائي . سوف تتراخي القبضة الأمنية لأن الضغوط التي تحاصر النظام كثيرة؛ وسقوطه حتمي. وقد خرجت تقديرات موقف من مراكز بحث وتحليل تحذر بالفعل من انفجارات اجتماعية في الدولة الهشة كمصر وعدد من الدول العربية؛ وكان على رأس المحذرين البنك الدولي، الذي توقع اندلاع احتجاجات مشابهة لأحداث الربيع العربي بسبب التضخم وارتفاع الأسعار. وتؤكد صحيفة "التلجراف" البريطانية، أن مصر ستواجه أزمة غذاء كبرى، وتنقل الصحيفة البريطانية عن البروفيسور "تيموثي لانج" الأستاذ الفخري المتخصص في سياسة الغذاء، تحذيراته مؤكدا أن «مصر صندوق بارود ينتظر الانفجار».