«3» أسباب  تهدد مستقبل رغيف الخبز المدعم خلال الشهور المقبلة

- ‎فيتقارير

قد  يواجه رغيف الخبز المدعوم مشكلة خلال الشهور المقبلة؛ وذلك لثلاثة أسباب، أولها أن السعر الحكومي لتوريد القمح خلال موسم الحصاد الحالي (إبريل ومايو ويونيو 2023م) أقل من السعر العالمي كالمعتاد. والسبب الثاني، أن ارتفاع أسعار الأعلاف قد يدفع كثيرا من الفلاحين إلى الاحتفاظ بكميات غير قليلة من القمح لاستخدامها كعلف للماشية، والسبب الثالث أن الحكومة أعلنت عدم إجبار الفلاحين على توريد القمح وإلغاء القرار الإلزامي بذلك ومنحت المزارعين حرية الاختيار في توريد المحصول للحكومة ما قد يؤثر على كميات التوريد وبالتالي قد يؤدي إلى مخاطر تهدد منظومة الخبز المدعوم خلال الشهور المقبلة.

وتستهدف الحكومة هذا العام توريد ما بين 4 إلى 5 ملايين طن من القمح المحلى، بواقع 1500 جنيهًا للأردب كأعلى درجة نقاوة، عبر 420 نقطة تجميع، وسعات تخزينية تصل إلى 5.5 ملايين طن، في حين تحتاج لرغيف الخبز المدعم نحو 10.5 ملايين طن. وسجلت واردات مصر من القمح خلال الـ11 شهرا الأولى من 2022 نحو 3.9 مليارات دولار، مقابل 3.1 مليارات خلال الفترة نفسها من عام 2021، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

وكانت حكومة الانقلاب قد قررت في 12 إبريل 2023م، رفع السعر الاسترشادي لشراء القمح من المزارعين إلى (9900 ج للطن)، بعدما كانت قد حددت سعر التوريد بنحو 8300 ج للطن في بدايات سنة 2023م. وحسب الأسعار المعلنة من الحكومة فإن هناك مفارقة عجيبة في سعر التوريد هذا الموسم؛ لأنه من جهة أعلى من السعر العالمي حيث يصل سعر طن القمح حسب مشتريات الحكومة الأخيرة في شهر مارس 2023م إلى نحو (9000 ج/ طن)، بمعنى أن الإردب الواحد يقترب من نحو (1500 ج)؛ لان الطن أقل قليلا من سبعة أرادب.  لكن  هذه  الأسعار في ذات الوقت أقل من السعر الحر المحلي الذي يصل بسعر الإردب إلى نحو (1.7 ألفا أو ألفي جنيه)، وبالتالي فإن سعر الطن محليا أعلى من سعره عالميا وقد يصل إلى ما بين 12 إلى 13 ألف جنيه؛ بزيادة نحو أربعة آلاف جنيه عن السعر العالمي!

وينقل موقع "مدى مصر" عن مصادر بالقطاع الزراعي والتجاري، قولها إن أسعار الأعلاف ومكوناتها وصلت لأرقام قياسية، ما يشجع المزارعين على استخدام القمح كبديل للأعلاف بدلًا من شرائها بسعر مرتفع. يقول إبراهيم عقل مزارع بمحافظة الغربية:«طول ما سعر الذرة ضعف سعر القمح، ونخالة القمح اللي بتستخدم في الأعلاف أغلى من سعر القمح نفسه، يبقى مستحيل يحصل سيطرة على سعره. وبالتالي أي زيادة في السعر اللي بتعرضه الحكومة لشراء القمح هتبقى بدون معنى»!

فعليًا، يبدو أن السعر في السوق المحلي خرج عن السيطرة، إذ وصل سعر القمح الذي بدأ حصاده في الصعيد منذ أسابيع إلى 11 ألف و500 جنيها للطن، وهو ما يشجع القطاع الخاص على شرائه رغم تجاوز هذا السعر للأسعار العالمية، «من سنتين كان القطاع الخاص بيستورد القمح لأن المستورد أرخص له، وحتى اليوم لا يزال سعره أرخص، لكن المشكلة هي عدم وجود دولار وبخلاف بطء الإفراجات الجمركية، ما يدفع القطاع الخاص إلى تفضيل شراء القمح المحلي بدلا من تعقيدات الاستيراد الحالية حسب أحد مستوردي الحبوب. ويحذر مصدر بشعبة الحبوب في الغرفة التجارية بالقاهرة، من  لجوء الحكومة لحظر تداول القمح المحلي كما فعلت من قبل في ملف الأرز، ما انتهى بكارثة، على حد وصفه، بوصول سعر الأرز إلى 30 جنيهًا للكيلو.

وحتى منتصف إبريل 2023م، تجاوزت أسعار اﻷعلاف الحيوانية حاجز 30 ألف جنيه للطن من أرض المصنع بينما كان السعر قبل سنة واحدة فقط نحو 9500 جنيه للطن. سعر الـ30 أ لفا للطن هو سعر غير مسبوق بمعدل زيادة أكثر من 220% خلال عام واحد. الأسعار الجديدة تجدد المخاوف من عودة حالات إعدام الكتاكيت التي شهدتها الأسواق في أكتوبر الماضي، كأحد نتائج أزمة شُح العملة الصعبة، منتجين بقطاع الثروة الحيوانية. ويعزو خبراء ومحللون ذلك إلى  أن أسعار مكونات الأعلاف تقفز بصورة جنونية منذ فبراير 2022م بالتزامن مع نشوب الحرب الروسية الأوكرانية، وضغوط أزمة العملة الصعبة على الاقتصاد المصري وعجز الحكومة عن مواجهة عملية الاحتكار التي يُمارسها المستوردون، الذين رفعوا سعر طن الذرة الصفراء مؤخرًا ليتراوح بين 19 و20 ألف جنيه، وسعر الفول الصويا الذي يقترب من 42 ألف جنيه للطن، في مستوى لم يبلغه من قبل، ما دفع المصانع لتطبيق زيادات قياسية هي الأخرى.

وحسب مراقبين فإن قرار الحكومة بتوريد القمح اختياريا بين 8 إبريل حتى نهاية اغسطس المقبل بسعر 1500  للأردب (150 كجم) قد يؤدي إلى تراجع الكميات الموردة لمخازن الحكومة بنحو 50% عن العام الماضي حين تم إلزام المزارعين بتوريد نحو نصف المحصول على الأقل. وحسب الباحث في شؤون الاقتصاد الزراعي خالد درويش وفقا لصحيفة "العربي الجديد" اللندنية،  فإن كمية القمح التي سيجرى توريدها من الفلاحين هذا الموسم إلى وزارة التموين ستتراوح ما بين طنين و3 أطنان فقط، وهو ما قد يشكل أزمة سلعية خطيرة، لأنها مرتبطة بصناعة رغيف الخبز المدعم. فالفلاح سيفضل بيع المحصول للقطاع الخاص بسعر أعلى من السعر الحكومي بنحو ألفين إلى أربعة آلاف للطن الواحد، أو تفضيل تخزينه كعلف لمواشيه بعدما ارتفع سعر العلف إلى نحو 30ألف جنيه للطن الواحد وسعر طن نخالة ردة القمح إلى نحو 12ألفا للطن الواحد.

ويتوقع المستشار الأسبق بوزارة التموين عبد التواب بركات "فشل الحكومة في شراء الكمية المستهدفة من القمح، من منطلق أن السعر الذي فرضته غير مجز، وليس محفزا، ولا يعادل سعر الأعلاف ولا الذرة الصفراء، ولا حتى النخالة التي تعد من مخلفات طحن القمح وتستخدم في تغذية المواشي". ويرى أن عجز الحكومة عن شراء كميات كبيرة من قمح الفلاحين سيرفع من وتيرة استيراد القمح الروسي لأنه الأرخص سعرًا، والذي ربما تتراجع جودته من حيث ارتفاع محتواه العالي من فطر الإرجوت والمحتوى الرطوبي، وهو ما يؤثر سلبًا على جودة ومذاق وسلامة الخبز المصنوع". ويضيف أنه في ظل شح موارد الدولار، قد تلجأ الحكومة إلى رفع سعر الخبز التمويني مع حذف المزيد من المستفيدين حال ضمان عدم حدوث احتجاجات شعبية".

وفي أغسطس 2020م، قرر وزيري التموين بحكومة الانقلاب علي المصيلحي خفض وزن الرغيف من 110 جرامات إلى 90 جراماً، ليجبر المخابز على إنتاج 1450 رغيفا من كل جوال (شوال) وزن 100 كيلوجرام، بدلا من 1250 رغيفاً. ويبلغ عدد المخابز البلدية، التي تعمل تحت إشراف كامل من الوزارة، نحو 30 ألف مخبز، تنتج ما بين 250 مليوناً و270 مليون رغيف يومياً. وتوزع الإنتاج على 23 مليون بطاقة خبز مدعم، لصالح 72 مليون فرد. أما سعر الخبز الحر فقد رفعت المخابز البلدية في مصر، أسعار الخبز الحر (السياحي) إلى جنيهين للرغيف زنة 80 جراماً، و1.50 جنيه للرغيف زنة 60 جراماً، و1.25 جنيه للرغيف زنة 40 جراماً، بدلاً من 1.50 جنيه و1.25 جنيه على الترتيب. وسبق قرار المخابز البلدية رفع سعر بيع الخبز الحر، أي خارج بطاقات التموين الرسمية، تقليص حجم الرغيف ووزنه بنسبة تصل إلى 40 بالمائة.