منذ مقتل الأنبا إبيفانيوس، رئيس دير أبو مقار بوادي النطرون بمحافظة البحيرة، والكنيسة الأرثوذوكسية في حالة طوارئ؛ خصوصا وأن الحادث تم داخل الدير وفي مكان لا يصل إليه أحد سوى الكهنة؛ ما ألقى بظلال كثيفة على مجمل الأوضاع داخل الدير، وانعكس على مستوى الكنيسة، وضرب مستوياتها العليا بالخوف والذعر.
3 شواهد مؤثرة
وعقب مقتل رئيس دير أبو مقار، اتخذ البابا تواضروس قرارين: الأول تضمن 12 بندًا أهمها منع الظهور الإعلامي، ومهلة لمدة شهر لغلق جميع الرهبان حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، ووقف ترقيات الكهنوت لمدة 3 سنوات، وتحديد مواعيد للزيارات للأديرة بحيث تكون طول العام ما عدا فترات الصوم الطويل قبل أعياد الميلاد والقيامة، وغيرها من القرارات التي استهدفت إعادة الرهبان إلى روح الرهبنة وجوهرها، باعتبارها انعزالا عن الدنيا من أجل الله، بحسب بيان الكنيسة.
الإجراء الثاني هو إصدار البابا قرارا بعزل الراهب أشعياء المقاري، أحد رهبان دير أبو مقار، وعودته لاسمه الأصلي العلمانى وائل سعد تواضروس؛ لارتكابه مخالفات بعيدة كل البعد عن الرهبنة، وكُتب أمر العزل بخط يد البابا على غير المعتاد، وأوضحت مصادر كنسية أنه طبقا للقانون الكنسي الخاص بالرهبنة الصادر عام ٢٠١٣، عدم عزل أى راهب إلا بموافقة البابا أو رئيس الدير، وحالة الراهب الذى تم عزله من الرهبنة.

وكان قد تم تسريب قرار كنسي بعزل راهبين، هما يعقوب المقاري وأشعياء المقاري، وبحسب مصادر كنسية فإن الأول تم عزله لتجاوزاته وارتكابه مخالفات بعيدة كل البعد عن الرهبنة، أما الثاني فتحوم حوله الشبهات باعتباره القاتل لرئيس الدير إبيفانيوس، فجر الأحد 29 يوليو الماضي.
وبحسب مصادر داخل الدير، فإنه على الرغم أن لكل منهما قضية تختلف عن الآخر، لكن على ما يبدو أن أحدهما متورّط بمقتل الأنبا إبيفانيوس، مضيفا: «الحديث المنتشر داخل أروقة الدير أن أشعياء المقاري هو المشتبه فيه بقتل الأنبا، وأن قرار تجريده من الرهبنة هو خطوة أولى لتقديمه للمحاكمة».
أما الشاهد الثالث، فهو إقدام راهب شاب يدعى فلتاؤس المقاري، على محاول الانتحار من خلال قطع شريان يده، ثم إلقاء نفسه من أعلى مبنى مرتفع بالدير. وتم نقل الراهب إلى مستشفى النطرون العام وهو في حالة خطيرة.
خلافات عاصفة
من جانبه، تنبأ صامويل تادرس، الباحث المصري وكبير الباحثين بمركز الحرية الدينية في معهد هدسون في واشنطن، في مقال له عبر بوابة المنصة، أن يكون المستقبل لتيار البابا تواضروس، وهو ما يسمى بالتيار الإصلاحي داخل الكنيسة، على حساب التيار التقليدي وهم تلامذة البابا شنودة الراحل.
ويعزو الكاتب أسباب الصراع اللاهوتي بين التيارين إلى تأثر ما يسمى بالتيار الإصلاحي بالانفتاح على الكنائس الأخرى، والاهتمام بالترجمات عن اللغات الأخرى، والتأثر بالتيار البروتستانتي.
ويضيف الكاتب القبطي: “طوال العقود اللاحقة تركز الصراع داخل الكنيسة بين معسكرين: معسكر الإصلاحيين المتأثرين بالأفكار البروتستانتية، مقابل رجال الدين المحافظين”. ودارت رُحى الصراع حول المجلس المِللي ودوره، حيث أدت هذه الصراعات إلى عزل البابا كيرلس الخامس لمدة ستة أشهر على أيدي الباشاوات بمعاونة من الدولة.

وفي الأربعينيات وُلد جيل جديد من مدارس الأحد، نجح في تحويلها إلى حركة جارفة، وذلك مع انضمام الشباب المتعلم لها، فكانت تُمثل اتجاهًا إحيائيًا معارضًا لكل من الأساقفة المحافظين، و”الباشاوات” ذوي العقلية الإصلاحية المتأثرين بالبروتستانتية.
ويشير الكاتب إلى الصراع بين الأنبا متى المسكين والبابا شنودة الثالث، مشيرا إلى أن الخلاف بدأ شخصيًا لكنه سرعان ما اتخذ أسسًا لاهوتية، من جهة، كانت رؤية الأب متّى، هي رفض مشاركة الكنيسة في العمل المجتمعي وشئون الدولة، حيث مهمة الكنيسة فقط هي قيادة المخطئين إلى المسيح، بالإضافة إلى أن كتاباته التي عمل فيها على إعادة اكتشاف الآباء، اتخذت تحولًا حادًا عن أسس تدريس المسيحية الأرثوذوكسية المعاصرة.
كما أن بعض الذنوب “الهرطقات” المنسوبة إليه، كانت بخصوص كتاباته عن التأله ورفض الخطيئة الأصلية، ونقد الكتاب المقدس من خلال رفضه لحرفية النص، ومئات الرؤى الأخرى التي وجدها البابا شنودة مُشينة.
فيما رفض البابا شنودة التأله، وشدد على نظريات استبدال الخلاص، حيث اتخذ جزءًا من الصدام شكلًا سياسيًا، ولعب الأب متّى دورًا في الصراع بين البابا شنودة والرئيس السادات.
وأكد في حديثه أنه بعد خروج البابا شنودة من الدير، كان حرًا في تشكيل الكنيسة على صورته، حيث قُتل الأسقف صموئيل مع السادات، وتم تحييد الأسقف جريجوريوس. ومع مرور الوقت، رَسَّم عشرات الأساقفة وآلاف القساوسة من تياره. بينما بقي الأب متّى الذي تم حظر كتبه واضطهاد أتباعه في الدير حيث تجمع التلاميذ حوله.
وتابع قائلاً: في أوائل عام 2000 كرّس البابا شنودة وعظاته لمهاجمة الأب متّى، وكان رَجُله في حصار تيار الأب متّى هو الأنبا بيشوي، مطران دمياط وسكرتير المجمع المقدس. وعقب وفاة الأب متّى عام 2006، تخيَّل البابا شنودة وأتباعه أن أفكاره ماتت معه، لكن المفاجأة كانت خروج جيل جديد من العدم متأثرين بتلك الأفكار.
وأوضح أن الحرس القديم (المحافظين)، جن جنونه بترسيم الأنبا إبيفانيوس رئيسا لدير أبو مقار على يد البابا تواضروس في فبراير 2013م، وكان هذا بالنسبة لهم بدعة خالصة، فأطلقوا عبر وسائل التواصل الاجتماعي لجانًا مثل حماة الإيمان لمهاجمة خصومهم. مشيرا إلى أن هذه المجموعات مدعومة مباشرة من قبل أسقفية الشباب (الأنبا موسى)، وتستخدم للتصدي لما تعتبره بدعة بين رجال الدين وبين الجيل الجديد من الطلاب الذين يظهرون في الكنيسة.
وتنبأ الباحث القبطي أن يكون المستقبل لتيار الأب متى المسكين، ومع قراءة أعداد أكثر من الشباب القبطي لكتابة الآباء، ومع انفتاح فرص تعليمية في الخارج أمام الأكاديميين منهم، ونشر كتابات الآباء باللغة العربية؛ سوف يكتشف الكثيرون أي تيار أقرب إلى آباء الكنيسة وفكرهم.