اختتم منتدى إفريقيا 2018، الذي نظمته حكومة الانقلاب خلال يومين في شرم الشيخ، أعماله أمس بمشاركة جنرال العسكر عبد الفتاح السيسي، وسط دلائل ومؤشرات على فشل مؤتمرات السيسي في تحقيق أي اختراق يذكر في القارة السمراء، التي يسعى النظام “غير الشرعي” إلى بسط نفوذه عليها؛ أملا في استعادة أمجاد قديمة تحت لافتة أوهام الريادة المصرية.
وبحسب خبراء ومحللين، فإن المؤتمر انتهى إلى فشل كبير للأسباب الآتية:
أولا: لم يحظ المؤتمر بأي مشاركة من زعماء القاهرة الذين تجاهلوا الحضور، ونزلوا بمستوى المشاركة إلى المستوى الوزاري دون حضور أي رئيس لأعمال وفعاليات المنتدى، ما يعكس عدم أهمية المنتدى على المستوى الرسمي السياسي والاقتصادي.
إهانة لمصر
ثانيا: النموذج الذي قدمه جنرال الانقلاب للدول الإفريقية مثّل إهانة لمصر، حيث تحدث بنبرة استعطاف وتسول، مناشدًا البنوك العالمية أن تقرض دول القارة بفوائد تتناسب مع أوضاعها، وكأن العالم عبارة عن جمعية خيرية يوزع صدقاته على فقراء القارة السمراء وليس على لغة المصالح والمكاسب. كما اعتمد نظام السيسي على سياسات الاقتراض والاستدانة، وهو ما تم بالفعل خلال فعاليات المؤتمر بتوقيع مصطفى مدبولي، رئيس حكومة الانقلاب، 4 اتفاقيات باقترض مليار دولار من البنك الدولي، و300 مليون من مصادر أخرى، وهو بالطبع لا يقدم بذلك دليلا أو برهانا على ريادة مصر بقدر ما يكشف عن حجم الأزمة التي تمر بها القاهرة تحت حكمه الاستبدادي، غير القادر على إدارة مواردها الضخمة.

ثالثا: يتعامل النظام العسكري مع دول القارة بنبرة استعلاء واستكبار، ويسعى من خلال هذه المنتديات لمخاطبة إفريقيا عن بُعد، وهو ما يرفضه الأفارقة بشكل واضح منذ عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك. إضافة إلى أن التركيز في العلاقات الخارجية على العلاقات المصرية الأمريكية والروسية والخليجية، أدى لتقزيم الدور المصري بالقارة السمراء، وتحوله لدور شرفي أو بروتوكولي لا أكثر. إضافة إلى أن مشروع العلاقات عن بُعد الذي يتبناه السيسي في القارة الإفريقية يعكس فشل الخارجية المصرية، وعدم قناعتها بأهمية القارة الإفريقية التي تحقق عدة دول منها معدلات نمو متقدمة على مستوى العالم، مثل كينيا وبنين وإثيوبيا، وقبلها جنوب إفريقيا، مع توقعات بأن تدخل دول أخرى غرب وشرق القارة ضمن الاقتصاديات الأكثر جذبا للاستثمارات الدولية.
القوى الناعمة
رابعا: افتقاد مصر للقوى الناعمة في التأثير بإفريقيا، فالأزهر تراجع دوره منذ تأميمه لصالح السلطة التنفيذية في ستينات القرن الماضي، بخلاف الحرب التي يشنها النظام عليه وتقليص معاهده وتلاميذه ومخصصاته، أما الكنيسة فلها حساباتها الخاصة، كما توترت العلاقة بينها وبين كنيسة إثيوبيا منذ حرب 1967، حيث منح الاحتلال كنيسة السلطان بالقدس للكنيسة الإثيوبية ما سبب توترا حتى اليوم.
يضاف إلى ذلك وجود مصالح شخصية ضيقة لكبار قادة أجهزة المخابرات في مصر، وكذلك وزارة الخارجية، بإنشاء شركات وهمية أو محدودة بدول غرب وشرق ووسط القارة، تحصل بموجبها على دعم مادي كبير، بينما الواقع يؤكد أنه ليس لها وجود فاعل على أرض الواقع، ولم تحقق لمصر أية أهداف ملموسة، سياسية أو اقتصادية، ما يفشل دائما أي توجهات نحو استعادة القاهرة لدورها في القارة السمراء.
خامسا: خطابات السيسي هي هي نفسها خطاباته محليا، متجاهلا الفوارق الضخمة بين أزمات مصر ومشاكلها ومشاكل باقي دول القارة، فإذا كانت هذه الخطابات مرفوضة محليا فهل يتقبلها الأفارقة؟!.. فعندما يتحدث السيسي عن أزمة الزيادة السكانية فإن الأفارقة لا يرون فيها أزمة من الأساس، وبذلك يفقد خطابه أي قيمة أو معنى لتناقضه مع توجهات باقي دول القارة. أضف إلى ذلك أن الأفارقة بحاجة لتحركات ملموسة، وليس لمؤتمرات كلامية تستعرض الإنجازات الشخصية، كما حدث بالكلمة الافتتاحية للسيسي، والتي تحدث فيها عن إنجازه في مشروع قناة السويس.

زيارات لصالح الغير
سادسا: السيسي قام بزيارة ما يقرب من ثماني دول إفريقية، في غرب وشرق ووسط القارة، وكلها زيارات كانت لصالح الغير، ولم تشهد مكاسب للجانب المصري في أهم قضاياه المصرية وهي قضية سد النهضة على سبيل المثال، رغم زيارة السيسي لكل من إثيوبيا والسودان عدة مرات.
فزيارات السيسي لدول غرب وشرق إفريقيا نهاية 2017، كانت بهدف حشد الأفارقة لجانب المربع الخليجي في الأزمة مع قطر، وهو ما رد عليه رئيس القمة الإفريقية التي عقدت بإثيوبيا 2017، بأن القارة بها ما يكفيها من الأزمات والمشاكل، وليست بحاجة لأزمات جديدة، وهو ما مثل فشلا كبيرا للدبلوماسية المصرية وقتها.
والهدف الثاني من تحركات السيسي في إفريقيا كانت لدعم الدور السعودي والإماراتي في مواجهة التحركات الإيرانية والتركية المتنامية والمتسارعة في القارة، بينما كان الهدف في زيارته لتشاد على سبيل المثال، دعم حليفه في ليبيا خليفة حفتر، بالإضافة إلى هندسة التطبيع التشادي مع إسرائيل، ما يؤكد في النهاية أن المصالح المصرية كانت غائبة أو لم تكن ذات أولوية في هذه التحركات، على عكس ما يشيع الإعلام المولي للنظام.